279

Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

في ذلك متبع، ومن لم يسلك مسلكه مبتدع، وإن ما يرويه عن السلف صدق لا مرية فيه، وليس لأحد أن يدعي أن له علم ابن تيمية بالكلام المأثور عن السلف الصالح من عهد الصحابة إلى عهد الأئمة المجتهدين؛ ولكن هل العبارات المروية عن أولئك الأئمة الأعلام صريحة في إثبات جهة العلو، والاستواء بمعنى من جنس معنى الجلوس، إن العبارات المروية عنهم إلى التفويض أقرب منها إلى التفسير أو إبداء الرأي في معنى معين؛ ولنعتمد على أقربها ذكراً، وهي العبارات المأثورة عن مالك رضي الله عنه، وهي الاستواء معلوم، والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، إن العبارات بفحواها ومعناها لا تدل على أن الاستواء من جنس الجلوس الذي نعلمه، إنه بلا شك معلوم بالذكر في القرآن والإيمان بما جاء بالقرآن واجب، ولكنه بعد ذلك نهى عن السؤال عنه واعتبره بدعة؛ أليس الكلمة في ذاتها دالة على التوقف لا على النص. وإن ابن الجوزي يحكي عن السلف التوقف، ولا يحكي عنهم البت بقول في الموضوع؛ ويعتبر الإمام أحمد متوقفاً.

وإنه قد روي أن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه لما سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم قال نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولقد روى الخلال في مسنده عن الإمام أحمد أنهم سألوه عن الاستواء فقال: «استوى على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، وهذا تفويض وتنزيه؛ وليس فيه تخريج اللفظ على الظاهر ولا غير الظاهر.

بل إنه قد روى حنبل ابن أخي الإمام أحمد أنه سمعه يقول: ((احتجوا علي يوم المناظرة، فقالوا تجيء يوم القيامة سورة البقرة، وتجيء سورة تبارك، قال: فقلت لهم إنما هو الثواب. قال الله جل ذكره ((وجاء ربك والملك صفاً صفاً)) وإنما تأتي قدرته؛ وهذا بلا شك تفسير للمجيء بمجاز الحذف وهو ظاهر، ولكن ابن تيمية رضي الله عنه يقول المجيء مجيء الله !!

278