235

Durūs lil-Shaykh Abī Isḥāq al-Ḥuwaynī

دروس للشيخ أبي إسحاق الحويني

خوف زكريا ﵇
الحمد لله رب العالمين، له الحمد الحسن والثناءُ الجميل.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وقبل أن أتكلم عن هذه الجزئية الأخيرة: أنبه أيضًا على نموذج آخر من الخوف وقع بعض المفسرين في خطأ تأويله، وهو خوف زكريا ﵇، قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم:٢ - ٦].
فهذا نوعٌ من الخوف، وهو خوفٌ على الديانة وليس خوفًا على المال، كما قال ﷺ: (إن أخوف ما أخاف عليكم منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن)؛ لأن هذا يضل العالمين، فخوف زكريا ﵇ خوفٌ على الدِّين.
قال: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم:٦] كان زكريا ﵇ يقوم على خدمة الهيكل، ولم يكن له عقب، فخاف إذا مات ألا يكون من نسله من يقوم على عبادة الله وخدمة الهيكل؛ لذلك تمنى على الله ﷿ أن يرزقه ولدًا ليرث هذه المهنة.
: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم:٥]، لم يخف على المال؛ لأن الميت إذا مات وخلف الدنيا وراءه يستوي عنده كل شيء، احذر أن تكون متصورًا أنك إذا مت وأكل الناس حقوق الورثة أنك تشعر بذلك أو تتألم؟ لا.
لا سيما إذا علمت قوله ﷺ: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة) وكانت الحكمة أن أهل أي نبي لا يرثون النبي حتى لا يشغب أهل الدنيا، ويقولون: ورَّثوا الدنيا لأبنائهم فقطع الله ﷿ هذه العلاقة، وهذا يشبه قول النبي ﷺ: (لا يرث المسلم الكافر) رجل أبوه نصراني معه ملايين: أسلم الولد ومات أبوه في الغد يحرم الله ﷿ عليه أن يرث (مِلِّيمًا) من هذه التركة، حتى يكون إسلامه لله خالصًا؛ لذلك قطع العلائق بين أهل الشرك وأهل التوحيد حتى يخلص جناب التوحيد من هذه الشوائب.
فلما قال زكريا ﵇: ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم:٦]، والأنبياء لم يورثوا مالًا، إنما ورثوا العلم.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، هذا الذي يورثه الأنبياء، كلمة التوحيد.
فالذي قال من أهل العلم: إن زكريا ﵇ قصد المال، وقال: إن حديث النبي ﷺ: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث)، عام يراد الخصوص هذا خطأ في التأويل؛ إنما خاف زكريا ﵇ أن لا يقوم أحد بخدمة الهيكل.

22 / 8