472

قال المجوب: أما قوله سأل المنصور الشيخ محي الدين النجراني عن خمسة آلاف مسألة، فلعلها خمسمائة فيما أحسب، أو أقل من غير نقص في مبلغ علم المنصور، وغزارة فهمه، بل أخبرنا عما كان وشاهدناه، وأما أن مدة البحث كانت أربعة أشهر، فهي كانت دون ذلك، وأما التسرع إلى تحمل هذه الأعباء الثقيلة، أو التحرج عنها، فكلاهما فعله السلف علي -عليه السلام-، قال: أنا لكم مشير خير من أمير ، وقال أبو بكر: وليتكم ولست بخيركم، وقال عمر: لو كان سالم حيا ما داخلني فيه شك، ونقيض ذلك أن عليا -عليه السلام- لم يسمح بحقه بل عدد فضائله، وهو أجلى من الشمس، وروي أن أحد السيدين المؤيد وأبا طالب بعث أخاه ليختبر له الناس إن دعاهم فدعا لنفسه، أو ليس الغيرة من الإيمان{سابقوا إلى مغفرة من ربكم }[الحديد:21] والبدار إلى ذلك بأن تنظم في سلك المناقب والمدائح، أولى من أن تجعل في منثور المعائب والقبائح، قام زيد بعد قتل الحسين ثم ولده يحيى، وإبراهيم بن عبد الله -عليهم السلام- بعد قتل أخيه المهدي، بلغه نعيه وهو في صلاة الجمعة، فدعا إلى نفسه بعد فراغ الصلاة، والناصر جاذب الداعيين[رداهما] مع علو مكانهما، وسمو قدرهما وشأنهما، وأنا قرأت في أصول الدين سبع سنين، ولي في أصول الفقه تصنيف، لم أسبق إلى مثله، وهو (المقنع)، أوضحت فيه الأمثلة وأوردت فيه من الأسئلة مالا يكاد يوجد في غيره، وقرأت الأصولين على الفقيه [الأجل] ترب الإمام المنصور سليمان بن عبد الله السفياني وتغيبت (التحرير) وقرأت على شمس الدين، ومحمد بن أحمد النجراني، وعلى الأمير علي بن الحسين ومعلوم أن في (التحرير) بفوائده وفصوله ما يزيد على عشرين ألف مسألة، ولم يكن فقه العترة قبل الهادي والقاسم إلا مجموع الفقه في ورقتين أو ثلاث، وهو إنما تحصل أعني الفقه برد الفروع إلى الأصول، مع طرف من الآثار، وزبد من الأخبار، ولي في العربية تصنيف كاف، وقد قيل: إن الإمام إذا كان عربي اللسان لم يحتج إلى علم النحو، وقرأت (ضياء الحلوم) و(أصول الأحكام) وفيه ما يزيد على أربعة آلاف خبر، وليس [يحتاج] من الأخبار إلا ما يختص بالشرع، وقد قيل: إن أبا بكر لم يكن يروي من الأخبار إلا أربعة وعشرين خبرا، ولعمر مسائل فيها خطأ كمسألة العدة، ومسألة الحامل، ومسألة دية الأصابع، ومسألة المطلقة المبتوتة، ومسألة المهور و[مسألة] الفروع، أكثرها يستفاد بالقياس والاجتهاد، والنبي يقول: ((اختلاف أمتي رحمة)) وكل مجتهد مصيب ، وقال علي -عليه السلام-: (إن اجتهدت وأصبت فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك خمسة)، وفي بعض الأخبار: [فلك] أجران وأجر، وأبو بكر قضى في الجد بسبعين قضية، وابن عباس نفى العول، وقال: من شاء باهلته، واختلاف الصحابة في مسألة الجد، ومسألة الحرام ظاهر، وهو في بطون الصحائف مأثور، ومع ذلك فكان البعض يصوب الآخر، ولعلي - عليه السلام- من القضايا ما لو أجاب به بعض أهل العصر لعد جاهلا، كقوله: العبد لا يملك من الطلاق إلا اثنتين، ولا يتزوج إلا اثنتين، وقوله في أمة تتابعها ثلاثة في طهر واحد: يقرع بينهم، ويغرم القارع، لكل واحد من الآخرين ثلث القيمة، وقضى في بغل شهد أربعة أنه لفلان، وثلاثة أنه لفلان بأن يقسم بينهما أسباعا، وفي الخنثى بالأضلاع، وبيع أمهات الأولاد، وحكي عنه الرجوع في ذلك، وأجاز زيد: نكاح الكتابيات، والمؤيد بالله يقول في مسائل كثيرة: وأخشى أن قول يحيى -عليه السلام- خارق للإجماع، وأما الفقهاء فاختلافاتهم عجيبة حتى أن من العلماء من قال: لو أفتى مفت بغير علم ما أخطأ قول مجتهد.

قال: وصنفت في الفرائض كتاب (البلغة) وأما التفسير فهو من هذه العلوم وأما القصص فقد قرأت فيها كتبا من جملتها كتاب (العرائس في المجالس) وطالعت (تفسير الحاكم) وهو لا يحتاج [فيه] إلا إلى مجرد المطالعة بعد فهم هذه الفنون، وقد قال المنصور: مع الداعي علوم لا يحتاج إليها الإمام، وقال: ما نعلم في دار الإسلام اعلم من فلان، وأما السخاء فقد قال بعض العلماء: إذا كان الإمام تقيا حمله ذلك على وضع الحقوق [في] مواضعها، وشجاعته شهد الأمير علي بن الحسين، ولم يثبت هذا إلا في موضعه.

قلت: [و] هذا الكلام الأخير يدل على أن المجوب غير الداعي، ومن هذه الرسالة: وأما الجاحظ فقوله ليس بحجة، وفي الناس من أخرجه عن دائرة الإسلام فضلا عن غير ذلك.

Page 182