Maʾāthir al-abrār
مآثر الأبرار
اليمن الأسفل، وللإمام ثمانون ألفا محمولة إلى خزائنه، وتسليم حصن حلب، والظفر للإمام، وأنهم جميعا محاربون لأسد الدين، وأن كوكبان للإمام -عليه السلام- عند الاستيلاء على براش، ثم إن الإمام اشترى براش من الأسد بخمسمائة ألف درهم مهدية -[وزن] كل درهم ثلثا قفلة بقفلة الإسلام- وعشرين ألفا غير الخلع والخيل على المتوسطين بينهم، ففرق الإمام هذا المال على أهل بلاده من ذمار إلى صعدة ونجران ومغاربها ومشارقها، فجعل على كل بالغ غني أربعة دراهم مهدية، أو خمسة دراهم منصورية -أي من ضربية المنصور بالله-، حتى من أموال الأيتام والأرامل، وحكم بوجوب ذلك عليهم، رعاية للمصلحة العامة، ولم يظهر من أحد من العلماء في ذلك طعن، ثم نهض الإمام إلى صعدة، فدخل بالشريفة دنيا بنت [الأمير] عز الدين محمد بن المنصور، وقد كان عقد [له] بها في الدخلة الأولى، وأقام هنالك أياما، ثم بلغه أن الأمير شمس الدين وأسد الدين قد جمعا عسكرا جما يريدان به صعدة، فخرج في لقائهم، فحط محطته في موضع يسمى العجلة عند العمشية لازما للطريق، ولما علم الخصوم سلكوا طريقا أخرى، فلم يشعر الإمام إلا وقد دخلوا صعدة، فعاث عسكرهم في صعدة، وقتلوا القاضي يحيى بن عطية بن أبي النجم، والقاضي زيدان بن مقبل، وكشفوا النساء، وانتهبوا بيوت المدينة، وأسروا منها طائفة، وأقاموا فيها مدة، ولما علم الإمام بذلك نهض إلى الظاهر، ثم وجه أخاه سليمان بن يحيى إلى ناحية الجوف، وقصدوا الأمير موسى بن الإمام المنصور في درب ظالم، فأسروه هو وجماعة من السلاطين، والفقيه الشتوي، وكان معاندا للإمام مع الأشراف، وغنموا في الدرب غنائم كثيرة، فلما وصلوا بالأمير موسى إلى الإمام وجه به إلى مدع، وأمر بحفظهم حتى يستخرج بهم أسرى صعدة، ثم إن الأمير شمس الدين وأسد الدين نهضا إلى صنعاء خوفا عليها من الإمام -عليه السلام-، فجهز أخاه سليمان لغزو من بقي من أعوانهم في صعدة، فلما قرب منهم هربوا إلى بلاد خولان، فتبعهم إلى الصعيد، ووقع بينهم قتال كبير، فأسر الأمير محمد بن سليمان بن المنصور وجماعة معه، ثم رجع الأمير سليمان إلى صعدة، وأمر بخراب دور من أفسد، وحبس من أدركه منهم، فكتب الشيخ عطية النجراني إلى الإمام كتابا يعترضه فيما فعله صنوه الأمير سليمان، وشنع فيه تشنيعا بليغا، فأجاب الإمام -عليه السلام- جوابا فيه طول، ثم إن الأمير شمس الدين، وأسد الدين نهضا من صنعاء بعساكر يريدان قتال الإمام، فسارا إلى جبال عيال يزيد، فحطا هنالك، فأمر الإمام الأمير أحمد بن يحيى بن حمزة، فحط قبالتهم، وأمر [معه] الفقيه حميد المحلي، والفقيه أحمد بن موسى [بن مقبل] الصعدي، والفقيه عيسى بن جابر الصعدي، ولما كان يوم الجمعة ثاني شهر رمضان هجم الأميران جند الإمام، فقاتلوهم حتى انكسروا، ثم إن الأميرين حملا بأنفسهما وجنودهما، فانهزم المجاهدون، وقتل الفقيه حميد [رحمه الله تعالى]، والشيعة الذين معه وأسر الأمير أحمد بن يحيى، ثم إن الأمير شمس الدين نزل إلى الملك المظفر إلى زبيد هو وأهله يستنصرونه على الإمام، فأعانهم بأربعين ألف دينار وكساهم، ثم إن المظفر جد في حرب الإمام -عليه السلام- حتى أنه كتب إلى بغداد وخليفتها يومئذ المعتصم يستعينه [على الإمام]، فبعث إليه بحشيشيين أي فدائيين، والفدائيون يبيعون أنفسهم ويخاطرون بها في قتل من يؤمرون بقتله وإن قتلوا بعده، فلما وصلا إلى المظفر أظهر أنه يريد منهما السعي بينه وبين الإمام -عليه السلام- وفي الباطن أمرهما بقتله، ولهما مال يدفعه إلى ورثتهما بعدهما، فتقدما إلى الإمام على هيئة الصليحين، فتلقاهما الإمام بالإنصاف، فدخلا عليه في بعض الأيام لتمام الصلح والوداع، وطلباه الخلوة، فلم يبق عنده إلا الفقيه قاسم بن أحمد الشاكري، والفقيه المعلى بن عبد الله البهلولي، والشيخ عبدالله بن محمد الصعدي، فقال لهما: تكلما بحاجتكما، فتكلم أحدهما بكلام غير مستقيم، ثم قال: إن معي حديثا سرا فدنا [من] الإمام فاتهمه، فأشار إلى الفقيه قاسم أن يدنو منه، فشاوره الإمام في أذنه اليسرى وعينه مع الحشيشي وهو باسط يديه على فخذيه، ثم إن الفقيه أراد الجواب على الإمام، فشاوره في أذنه اليمني، فستر ما بين الإمام والحشيشي، فحصلت له الفرصة فجذب سكينا كانت في باطن فخذه، وانحط على الإمام [بها]، فلما أحس بها الإمام قريبا منه، وثب قائما، فسقطت عمامته، فوقعت رجله فيها، فسقط على جنبه الأيمن، فوقعت الطعنة في محجمه الأيسر، فدخلت نحوا من ثماني أصابع بعد أن أخذت في العمامة طاقتين، وأراد أن يطعنه الثانية، فوثب الفقيه قاسم [بن أحمد]، فقبض على السكين بيده فقام، وطعنته ترش من خلفه وأمر بقتله، وقد شد الفقيه على يده وسلم الإمام -عليه السلام-، ثم إن الإمام -عليه السلام- وقف مدة فكاتبه [الشيخ] أحمد بن محمد الرصاص يوليه الظاهر بحيث لا تكون على يده يد، فلم يسترجح الإمام ذلك، فغضب الشيخ، وطلب للإمام الغوائل، فآل الأمر إلى أنه أوهم الحسن بن وهاس أنه أولى بالإمامة منه، فكان من ابن وهاس وشيعة الظاهر أن كاتبوا قبائل الظاهر بالبراءة من الإمام أحمد، وكان الفقيه حميد المحلي يقول: إن اتفق علي أمر، فأشعروا ما ينجم على الإمام من أهل الظاهر، فلما كتب إليه أهل الظاهر بالبراءة لقيوا الأمير شمس الدين بعد خروجه من صنعاء إلى حمدة، فتحدث الرصاص مع الناس من ارتفاع الصبح يحرضهم على حرب الإمام -عليه السلام- إلى نصف النهار، حتى مقته الحاضرون، ثم كتب إلى الإمام كتابا يطلب منه اللقاء إلى قاعة للمناظرة بشرط أن يكون العسكران مستويين في العدد، فأجابه الإمام بأن هذا طلب معاند لا مهتدي، وأنهم إذا كانوا طالبين الهدى وصلوا إليه، ولهم من الوثائق ما تطيب به أنفسهم، فلم يتفق ذلك منهم، فعزم الإمام على حربهم، وكان زمان شدة وقحط بلغ فيه الصاع النبوي عشرة دراهم قفلة، حتى أكل الناس بعضهم بعضا بعد أن أكلوا الدواب، والحمير، والأشجار، وانقطعت المناهل، وعدم الطعام، ومات الناس في الشوارع جوعا تأكلهم الكلاب والسباع، وذلك سنة خمس وخمسين وستمائة، واستمر إلى سنة ثمان وستين، وهلك كثير من العلماء، والفضلاء، ثم بلغ الإمام - عليه السلام - أن ابن وهاس والرصاص ومن تبعهما يريدون أخذ زرع شوابة، وترويع الناس، فأمر الإمام بالتهيؤ للحرب، وركب في أكثر عسكره، وقد كان عسكر ابن وهاس والحمزيين أغاروا وانتهبوا شيئا من زرع الرعية في غيل شوابة، فتقدم الإمام حتى أشرف على أقطار الوادي، ورأى محطة القوم، فلما رأوه قصدوه، واستدعى ابن وهاس رجلا أرسله إلى الإمام يقول له: إن العسكر الذين معه قد اختلوا، وأن المصلحة الملقى للمراجعة، ولو على ظهور الخيل، فقال الإمام عليه السلام : هذا حال محاربة لا مناظرة، ورجع إلى محطته، ثم سار للمحاربة، فانكسر إحدى رايتيه في عرض السيرة، ووقع في النفوس في ذلك ما وقع، وراجعوه بترك السيرة، فقال: امضوا على اسم الله {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا }[التوبة:51]، فلما رآهم القوم قالوا لحسن بن وهاس، وللرصاص: ما عندكما في قتال الإمام؟ فقالا جميعا: ما لحقكم من الإثم فهو في أعناقنا، وجعل الرصاص يقرأ: {اقتربت الساعة وانشق القمر }[القمر:1]، ولما سار الإمام إلى قريب منهم حملت عليه خيل الحمزيين، فقاتلهم خيل القاسميين من براقش حتى ردوهم، ثم أقبل الأمير شمس الدين بإخوته، ومعهم الرصاص وابن وهاس يحرضانهم، كل واحد في جانب، فأمر الإمام أخاه إبراهيم بن يحيى وجماعة في وجه الأمير شمس الدين فاقتتلوا قتالا شديدا، وثارت عجاجة عظيمة واختلط الناس، وانهزم أصحاب الإمام، ولم يبق معه إلا نفر قليل، ثم أحاط به القوم فقاتلهم، وجعل يضرب فيهم يمينا وشمالا حتى أتى رجل من خلفه فعقر فرسه، ولزم آخر بشكيمتها فانصرعت على جنبها، فهاضت رجل الإمام حتى لم يمكنه الركوب، فطعنه رجل من تفاريخ الدرع طعنة في سرته حتى بلغت إلى كبده، ثم أجهز عليه جماعة، فيهم بعض الشيعة فأقعدوه وفيه رمق، ثم أمرهم ذلك الشيعي بضرب عنقه، فضربها رجل فأبان رأسه، وقد كان ضرب في وجهه ضربتين أو ثلاثا، ثم حملوا رأسه إلى ظفار، وطافوا به في السكك، ثم حمل جسده الطاهر إلى خيمة الرصاص، فجعل يتكلم ويتبجح بأنه لولا قيامه عليه لما قتل ويظهر ذلك للجهال، ثم دفنت جثته الكريمة في أسفل وادي شوابة، وأقام رأسه الزكي في ظفار ثلاثة أيام، ثم أمر به ودفن مع جسده الطيبة.
قال الإمام المهدي [لدين الله] أحمد بن يحيى -عليه السلام-، وهو الذي نقلت من مصنفه على شرح سيرة (البحر الزخار) هذا الكلام من أوله: ثم إن الأمراء بايعوا لابن وهاس، وكان من جملة من بايعه الأمير الحسين صاحب (التقرير)و(الشفاء)، وكذلك الشيعة الذي رفضوا بيعة الإمام أحمد، وكذلك أولاد المنصور، ولبث ابن وهاس مدة يسيرة، ثم نفرت عنه قلوب الناس، ووقعت مكاتبات إلى السادة آل يحيى بن يحيى مثل الأمير الحسين، وصنوه الحسن الآتي ذكره، فتقدم الأمير الحسين بن محمد لموافقة الشيخ [محمد بن] منصور صاحب عفار بعد مكاتبة وقعت منه، فتلقاه بالإنصاف، وكان ابن وهاس في بلاد الطرف، فلما بلغه ذلك انزعج، وكاتب شيعة الظاهر فوصله من وصل وجرت مكاتبات، وطلب الأمير الحسين المناظرة حيث يأمن فلم تحصل إجابة، فعمل رسالة عامة سماها (النصيحة الصريحة لأهل الأديان الصحيحة)، ثم بلغه دعوة أخيه الحسن، فلما دعا توقف على الظاهر.
Page 208