623

Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

يقول سيد قطب: "هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائما .. وهو هنا يذكرهم بهذه النعمة، يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداء، وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد، وهما الحيان العربيان في يثرب، يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعا، ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه، فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام، وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا (¬1).

حقوق الأخوة الخاصة

1 - في المال

يقول أبو حامد الغزالي في الإحياء: والحقوق في المال على ثلاث مراتب:

أدناها: أن تنزله منزلة خادمك فتقوم بحاجته من فضل مالك، فإذا سنحت له حاجة وعندك فضل عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال، فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة.

الثانية: أن تنزله بمنزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك وتسمح له بمشاطرته في المال.

الثالثة: وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه مرتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين، ومن ثمار هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضا.

وجاء رجل إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال: إني أريد أن أؤاخيك في الله.

فقال: أتدري ما حق الإخاء؟

قال: لا.

قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودراهمك مني.

قال: لم أبلغ هذه المنزلة بعد.

قال: فاذهب عني.

وقال علي بن الحسين للرجل: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه وكيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه؟

قال: لا، قال: فلستم بإخوان.

وقال أبو سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له، وقال أيضا: إني لألقم اللقمة أخا من إخواني فأجد طعمها في حلقي.

Page 240