389

Minhāj al-qāṣidīn

منهاج القاصدين

============================================================

(279) ربع العادات (كتاب الحلال والكرام الفاسدة إلا ترك طريق التعبد فقط، ثم ترك طريق التعبد في هذا أهون من تركه بالربا، وهذا التفاوت يدرك بتشديد الشرع ووعيده وتأكيده في بعض المناهي على ما سيأتي في كتاب التوبة عند ذكر الفرق بين الصغيرة والكبيرة، بل المأخوذ ظلما من فقير أو صالح أو يتيم أخبث وأغلظ من المأخوذ من قوي أو غني أو فاسق؛ لأن درجات الايذاء تختلف باختلاف درجات المؤذى، فهذه دقائق في تفاصيل الخبائث لا ينبغي أن يذهل عنها، ولولا اختلاف درجات العصاة لما اختلفت دركات النار، وإذا عرفت مثارات التغليظ فلا حاجة إلى حصره في ثلاث درجات أو أربع، فإن ذلك جار مجرى التحكم والتشهي، وهو طلب حصر فيما لا حاصل له، ويدلك على اختلاف درجات الحرام في الخبث ما سيأتي في تعارض المحذورات وترجيح بعضها على بعض، مثل ما نقول فيما إذا اضطر إلى أكل ميتة، أو اكل طعام الغير، أو أكل صيد الحرم، فإنا تقدم بعض هذه على بعض.

أمثلة الدرجات الأربع في الورع وشواهدها: أما الدرجة الأولى: وهي درجة العدول، فكل ما تقتضي الفتوى تحريمه، ولا يحتاج إلى أمثلة وشواهد.

وأما الدرجة الثانية: فأمثلتها كل شبهة لا يجب اجتنابها، لكن يستحب، كما يأتي في كتاب الشبهات، ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام: لادغ ما يرييك إلى ما لا يريبك".

وأما الدرجة الثالثة: وهو ورع المتقين، كما رؤينا عن عمر بن الخطاب أنه قدم عليه مسك فقال: وددث لو أن امرأة جيدة الوزن تزن لي حتى أقسمه بين المسلمين. فقالت امرأته عاتكة : أنا جيدة الوزن فهلم أزن لك. قال: لا إني أخشى أن تأغذيه هكذا فتجعليه هكذا - وأدخل أصابعه في ضدغيه - وتمسحين غنقك فأصيب فضلأ عن المسلمين. وكان عمر يدفع في أوقات إلى امرأته طيبأ من طيب المسلمين، تبيعه، فجعلت تبيع قطارة فتكسر بأسنانها وتزن لها، فعلق بإصبعها منه شيء، فمحت به خمارها ، فجاء عمر فقال: ما هذه الريح؟ فأخبرته، فانتزع

Page 389