يعلمها مثل أولئك؛ إنما هي من نقل الخاصة لا سيما وليست من أحاديث الصحيحين وغيرهما. وإذا كان عبد الملك بن مروان خفي عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها: ((لولا أن قومك حديثوعهد
بالجاهلية لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين)) (1) ونحو ذلك حتى هدم ما فعله ابن الزبير، ثم لما بلغه ذلك قال: وددت أني وليته من ذلك ما تولاه. مع أن حديث عائشة رضي الله عنها ثابت صحيح متفق على صحته عند أهل العلم، فلأن يخفى على معاوية وأصحابه قوله: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا)) بطريق الأولى، مع أن هذا في أول خلافة علي - رضي الله عنه - لا يدل على علي عينا، وإنما علمت دلالته على ذلك لما مات - رضي الله عنه -، مع أنه ليس نصا في إثبات خليفة معين. وهم يقولون:
إذا كان لا ينصفنا إما تأويلا منه وإما عجزا منه عن نصرتنا، فليس علينا أن نبايع من نظلم بولايته.
وأما قوله: ((إن معاوية قتل جمعا كثيرا من خيار الصحابة)) .
فيقال: الذين قتلوا قتلوا من الطائفتين؛ قتل هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء. وأكثر الذين كانوا يختارون القتال من الطائفتين لم يكونوا يطيعون لا عليا ولا معاوية، وكان علي ومعاوية رضي الله عنهمما أطلب لكف الدماء من أكثر المقتتلين، لكن غلبا فيما وقع. والفتنة إذا ثارت عجز الحكماء عن إطفاء نارها، وكان في العسكرين مثل الأشتر النخعي، وهاشم بن عتبة المرقال، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبي الأعور السلمي، ونحوهم من المحرضين على القتال: قوم ينتصرون لعثمان غاية الانتصار، وقوم ينفرون عنه، وقوم ينتصرون لعلي وقوم ينفرون عنه.
وأما ما ذكره من لعن علي، فإن التلاعن وقع من الطائفتين كما وقعت المحاربة، وكان هؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم، وهؤلاء يلعنون رؤوس هؤلاء في دعائهم. وقيل: إن كل طائفة كانت تقنت على الأخرى. والقتال باليد أعظم من التلاعن باللسان.
ثم من العجب أن الرافضة تنكر سب علي، وهم يسبون أبا بكر وعمر وعثمان ويكفرونهم ومن والاهم. ومعاوية - رضي الله عنه - وأصحابه ما كانوا يكفرون عليا، وإنما يكفره
Page 209