Al-Masawadda fī uṣūl al-fiqh
المسودة في أصول الفقه
Editor
محمد محيى الدين عبد الحميد
Publisher
المدني
Publisher Location
القاهرة
فى ترجيح المقلد أحد الاقوال لكثرة عدد قائليه من المفتين حالة الفتوى قال الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هبيرة الصحيح فى هذه المسألة أن قول من قال ( لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد فإنه انما عنى به هنا ما كانت الحالة عليه قبل استقرار ما استقر من هذه المذاهب التى أجمعت الائمة على أن كلا منها يجوز العمل به لانه مستند إلى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على سبيل معه قالقاضى فى هذا الوقت وان لم يكن قد متى فى طلب الاحاديث وانقاء طرقها وعرف من لغة الناطق بالشريعة صلى الله عليه وسلم مالا يعوزه معه معرفة ما يحتاج اليه فيه وغير ذلك من شروط الاجتهاد فان ذلك مما قد فرغ له منه ودأب فيه سواه وانتهى الامر من هؤلاء الائمة المجتهدين إلى ما أراحوا به من بعدهم وانحصر الحق فى أقاويلهم وتدونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق فاذا عمل القاضي فى أقضيته بما يأخذ عنهم أو عن الواحد منهم فإنه فى معنى من كان باجتهاده إلى قول قاله وعلى ذلك فانه اذا خرج من خلافهم متوخيا مواطن الاتفاق ما أمكنه كان آخذا بالحزم عاملا بالاولى وكذلك اذا قصد فى مواطن الخلاف توخى ما عليه الاكثر منهم والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد منهم فانه قد أخذ ما محزم والاحوط والاولى مع جواز أن يعمل بقول الواحد الا أننى أكره له أن يكون ذلك من حيث انه قد قرأ مذهب واحد منهم أو نشأ فى بلدة لم يعرف فيها الا مذهب امام واحد منهم أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء خاصة يقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب حتى اذا حضر عنده خصمان وكان ما تشاجرا فيه مما يفتى الفقهاء الثلاثة فيه بحكم واحد نحو التوكيل بغير رضا الخصم وكان الحاكم حنفيا وقد علم أن مالكا والشافعى وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل دون أبى حنيفة فعدل عما أجمع عليه هؤلاء الائمة الثلاثة إلى ماذهب اليه أبو حنيفة لمجرد أنه قاله فقيه هو فى الجملة من فقهاء الاتباع له من غير أن يثبت عنده بالدليل ولا أداه اجتهاده إلى أن قول أبى حنيفة أولى مما اتفق عليه الجماعة فإني أخاف على مثل هذا أن يكون ممن اتبع هواه وأنه لا يكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وكذلك ان كان على مذهب مالك فقضى بتطهير الكلب وكذلك ان كان على مذهب الشافعى فقضى فى متروك التسمية ( عمدا ) بالحل خلافا للثلاثة وكذلك ان كان على مذهب أحمد فقال أحد الخصمين كان له على مال وقضيته يقضى عليه بالبراءة من اقراره مع علمه بخلاف الفقهاء الثلاثة فإن هذا وأمثاله اذا توخى فيه اتباع الاكثرين فأمره عندى أقرب إلى الخلاص وأرجح فى العمل وبمقتضى هذا فإن ولايات الحكام فى وقتنا هذا ولايات صحيحة وانهم قد سدوا من ثغر الاسلام ما سده فرض كفاية ومتى أهملنا هذا القول ولم نذكره ومشينا على طريق التغافل التى يمشى فيها من يمشى من الفقهاء الذين يذكر كل منهم فى كتاب ان صنفه أو كلام ان قاله أنه لا يصح أن يكون أحد قاضيا حتى يكون من أهل الاجتهاد ثم يذكر فى شروط الاجتهاد أشياء ليست موجودة فى الحكام فان هذا كالاحالة وكالتناقض وكأنه تعطيل للاحكام وسد لباب الحكم وألا ينفذ لاحد حق ولا يكاتب به ولا تقام بينة ولا يثبت لاحد ملك إلى غير ذلك من القواعد الشرعية فكان هذا الاصل غير صحيح وبان أن الحكام اليوم حكوماتهم صحيحة نافذة وولاياتهم جائزة شرعا فقد تضمن هذا الكلام أن تولية المقلد تجوز اذا تعذر تولية المجتهد وأنه انعقد الاجماع على تقليد كل واحد من هذه المذاهب الاربعة وأن اجماع الفقهاء حجة لا يخرج الحق عنهم وأنه ينبغى الاحتراز من الاختلاف فإن لم يكن فاتباع الاكثر أولى ويكره تقليد الواحد المخالف للاكثر لاجل تقدم ونحوه
Page 482