Sharḥ Fuṣūl Abūqurāṭ
شرح فصول أبقراط
الشرح هاهنا مباحث ثلاثة.
البحث الأول
في الصلة: وذلك من وجوه ثلاثة: أحدها أنه لما وصف منافع الحار ذكر في هذا الفصل منافع البارد، وكما أنه وصف المواضع التي ينفع الحار ذكر في هذا الفصل المواضع التي يتوقع نفع البارد فيها؛ وثانيها أنه لما ذكر في الفصل الماضي وهو قوله «وربما صب على من به تمدد» إلى آخره منافع البارد بالعرض ذكر PageVW1P139B في هذا الفصل منافعه بالذات وجاء ذكر منافع الحار * فصلا (480) بينهما بطريق العرض لأنه لما انتهى في الفصل المذكور في الحار التزم بذكر منافع الحار، وإلا فالواجب أن * يذكر (481) هذا الفصل بعد ذكر ذلك الفصل؛ وثالثها أنه ذكر فيما تقدم مضار البارد إلا ما قاله في التمدد لكن ذلك بالعرض، ومع كونه بالعرض ليس مما يستعمل دائما ولا أكثريا بل ينبغي أن لا يقدم على استعماله، فالحاصل مما ذكرنا أنه لما سبق منه ذكر مضار البارد النفع الصادر عنه العرضي نادر الوجود، ومع ذلك لا ينبغي أن يقدم على اسعماله ذكر في هذا الفصل منافعه الذاتية.
البحث الثاني:
قوله «إنما ينبغي أن يستعمله في هذه المواضع» أي لا ينبغي أن يستعمله إلا في الندرة لأن لفظة «إنما» للحصر، وقد فسر تلك المواضع وبدأ منها بذكر ما يجري منه الدم أو ما هو مزمع بأن يجري منه لأن الدم أشرف الأخلاط لأنه مادة الأرواح التي هي * مطية (482) القوى والغاذي بالحقيقة وحامل للحرارة الغريزية، ولما كان حاله كذلك كان أهم بالمعالجة والمداواة، فقدم ذكره لذلك، فالمواضع التي يجري منها الدم إذا لم يكن فيها قرحة كان من أبلغ الأشياء في قطع الدم، وذلك من وجوه أربعة: أحدها أنه يكثف العضو ويقويه، وعند ذلك يعسر قبوله للدم الوارد إليه؛ وثانيها أنه بتكثيفه يجمع أفواه المجاري ويكثفها، وعند ذلك يضيق أو ينسد فيتعذر أو يمتنع PageVW5P217B نفوذها ما كان ينفذ فيها؛ وثالثها أنه يغلظ قوام الدم، وربما جمده، فيتعذر عند ذلك أو يمتنع عليه النفوذ؛ ورابعها أنه يجمد الحرارة الغريزية الحاصلة في ذلك العضو، وقد علمت أن الحرارة جذابة، فإذا * خمدت (483) ضعف الجذب فيقل الوارد إلى العضو من الدم. وأما إن كان فيها قرحة فيجب أن يكون وضعه حول العضو المتقرح على المجاري المندفع فيها الدم ووجه قطعه بما ذكرنا. ومثال هذه المواضع الأنف عند خروج الدم منه بالرعاف وجريان الدم من أفواه العروق، فإن الأنف متى حصل فيه ذلك ولم يكن فيه قرحة، أمرنا صاحبه بأن يجعل في داخله قطعة من جمد أو ثلج، فإن الدم ينقطع لما ذكرنا. وإن كان فيه قرحة سرطانية أو غيرها، انقطع ذلك بوضع ما ذكرنا على الجنين لأن العروق الآتية إليه في الظاهر * أكثرها (484) نازل إليه من الجنين، وكذلك خروج الدم من أفواه العروق، فإنه * متى (485) لم يكن فيها قرحة كبواسير أو نواصير استعملنا ذلك فيها ومتى كان فعلي ما حولها لأنه قد قال فيما مضى إن البارد لذاع للقروح. وحكمنا هذا في البارد في أي عضو كان. قوله «في العضو المتقرح حوله»، ولم يقل «في مجاريه» لأن مجاريه ربما كانت خفية عن الحس فذكر ما يعم ذلك، وقال: «حوله» لأنه متى استعمل ذلك حوله لا بد وأن يقع بعضه على تلك المجاري لأنه كيف كانت تكون حوله. فإن قيل قوله «ينبغي أن يستعمل في المواضع التي يجري منها الدم»، ثم قال «وليس ينبغي أن يستعمل في نفس * الموضع (486) » أي إذا كان فيه قرحة لما ذكرناه في الفصل الماضي فاستعماله بتجنب في صورتين: إحداهما فيما ذكرنا، * وثانيتهما (487) في * الموضع (488) الذي قد انصب إليه دم، وقد عتق فيه، فإنه يجمده ويسوده ويوقعه في الخبيثة، وذلك بما يحدثه من إخماد الحرارة الغريزية. قوله * «وفي (489) الأورام الحارة» أقول: هذه الأورام لحرارة مادتها ورقة قوامها البارد ينفعها لأنه يطفئ حرارتها ويغلظ قوام مادتها فيقل حركتها فيصغر حجمها ويترتب على ذلك قلة PageVW5P218A ألمها واستيلاء الطبيعة عليها، وهذا القدر إنما يكون في ابتداء هذه الأورام. وأما في انتهائها وانحطاطها فلأولأ في التزيد أيضا على * محوضته (490) . قوله * «التلكع (491) » قال جالينوس: المراد بالتلكع الموضع الذي كان النار قد كوته وأحرقته لشدة حرارة المادة الفاعلة، لذلك أقول: هذا القدر * هو (492) الذي يعرف عندنا بالنار الفارسية أو الحمرة، وهذه الأورام تنتفع بوضع * البارد (493) عليها وعلى حولها لما ذكرنا. وقوله «وفي الأورام الحارة والتلكع مائلا إلى الحمرة»، يعم النار الفارسية والحمرة بالجيم لأن الحمرة تعم الحمرة الناصعة والقاينة، والفرق بين النار الفارسية والحمرة * بالجيم (494) أن النار الفارسية هي بثر من جنس النملة فيها سعي وتنفط ومادتها صفراوية والحمرة * بالجيم (495) هي شيء يحدث في الجلد شبيه بما تحدثه النار عند إحراقها للعضو فيه خشكريشة، ولونه مائل إلى السواد، وسببه دم محترق. وأما الحمرة بإلحاء فهي الورم الصفراوي وهذا الورم أذية مادته بالكيفية أكثر من أذيتها بالكمية، ومثل هذا الورم ينتفع بالبارد على طريق المداواة بالضد كل هذا إذا لم يكن معه قرحة. ولنحقق الأورام ونحصرها هاهنا فإن أبقراط قد أشار إلى بعضها.
البحث الثالث
في تعريف الورم وكيفية حدوثه وتقسيمه: أما الورم فقال صاحب الكامل إنه غلظ يحصل للعضو بغير فعله، وهذا التعريف يخرج عنه الأورام الريحية والمائية، فإنه لا يصح أن يقال لكل واحد * منهما (496) إنه غلظ مع أنه ورم بل الحق أن يقال إنه تمدد يحصل للعضو بغير فعله. وأما كيفية حدوثه فنقول: قد عرف أن الأعضاء على نوعين صلبة ولينة، فالصلبة منها فرجها محسوسة كباطن العظام واللينة فرجها خفية عن الحس. فإذا انصب إلى العضو مادة من المواد زاحمت ما حولها واستحدثت لها فرحا. فإن زاد مقدارها زاد * تمددها (497) ثم إنها تعفن لاحتباسها وتراكمها ولضعف العضو عن إحالتها والتصرف فيها على الوجه الطبيعي، وحينئذ تولد ما ذكر. وأما تقسيمها فهي في الأصل تنقسم PageVW5P219B عند الأقدمين بحسب انقسام المواد الأربع، وعند المتأخرين قسمان آخران المائية والريحية، وعلى هذا التقدير يقال إنها تنقسم إلى ما مادتها ذات قوام وإلى ما مادتها غير ذات قوام. والأول الدموية والصفراوية والبلغمية والسوادية. والثاني أما الحادث عن الريح فكالتهيج النفخة. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما أن مادة التهيج مداخلة جوهر العضو ومادة النفخة مجتمعة في تجويف العضو. الثاني أن التهيج يستلينه الحس والنفخة تقاومه. وأما الحادث عن المائية فكاجتماع الماء في البطون المستسقين والقيلة، وذلك لأن المائية إما أن تكون عامة وإما أن تكون خاصة. فإن كان الأول حصل الأول، فإن كان الثاني حصل الثاني. والله أعلم.
24
[aphorism]
قال أبقراط: إن الأشياء الباردة مثل الثلج والجمد ضارة للصدر مهيجة للسعال جالبة لانفجار الدم والنزل.
Unknown page