319

[commentary]

الشرح هاهنا مباحث أربعة.

البحث الأول

في الصلة: وذلك من وجهين: أحدهما أنه لما ذكر منافع البارد قال إن من جملة ذلك قطع الدم إذا لم PageVW1P140A يكن هناك قرحة، وإن كان فيوضعه حول القرحة كأن قائلا يقول له فنحن نرى استعمال البارد كالجمد والثلج جالب لانفجار الدم، فإن مراده بالبارد هاهنا البارد بالفعل، أجاب عن هذا الاعتراض المقدر بقوله «ضارة بالصدر مهيجة للسعال» أي أن جلب هذا البارد لانفجار الدم من الصدر ليس هو بالذات بل * هو (498) بواسطة ضرره بالصدر وجلبه للسعال. أما ضرره بالصدر * فلغلبة (499) العظام والعصب عليه. وقد قال فيما تقدم: البارد ضار * للعظام (500) والأسنان والعصب والمغير للشيء متى ورد عليه أضعفه وهيأه لقبول الآفات الواردة عليه لا سيما إذا حصل هناك أمر موجب لتلك الآفة كما في هذه الصورة، فإذ ذلك يضعف الصدر ويهيئه لنفث الدم والسعال فاعل له لأنه بحركته القوية يزعزع أجرام الأوردة ويهلهل نسجها ثم يوجب انفجارها. وأما كيفية إيجاب البارد المذكور للسعال فبواسطة ما يحدثه في قصبة الرئة من التكاثف والجمع والسوء * المزاج (501) الغريب. وكل ذلك مناف مؤذ، ولا معنى * للسعال (502) إلا حركة من الرئة لدفع المؤذي، فالحاصل مما ذكرنا أن البارد يوجب انقطاع PageVW5P220A الدم بذاته سواء وضع على نفس الموضع إذا لم يكن هناك قرحة أو حوله إن كان هناك قرحة كل هذا بتكثيفه وإجماده للدم * وبتغليظه (503) قوامه على ما * يدل (504) عليه الاستقراء من وضع الثلج أو * الجمد (505) داخل الأنف أو على الجبهة في قطع الرعاف، ويوجبه بطريق العرض كما في هذه الصورة. وكلام أبقراط في الفصل الماضي في فعله الذاتي لا في العرضي فلا يرد الاعتراض. وثانيهما أنه لما ذكر في الفصول الماضية آثارا ضارة صادرة عن البارد ثم ذكر بعدها نفعا عرضيا صادرا عنه قليل * الوجود (506) .

البحث الثاني

في الجمد: هذا الجوهر يختلف في الفضيلة والرذيلة بحسب طبيعة الماء المجمد منه، فإن الذي جمد من ماء رديء فهو رديء، والذي جمد من ماء محمود فهو محمود وهو بكلي قسميه مضر للأعضاء العصبية مضعف للحرارة الغريزية. وهذا القدر إن لم يظهر في العاجل ظهر في الأجل غير أنه إن كان ماؤه رديئا الواجب أن يبرد به الماء * من (507) خارج الإناء، وإن كان ماؤه جيدا فسواء برد به الماء من خارج الآناء أو من داخله والمياه الجليدية غليظة الجوهر بطيئة الانحدار عن المعدة، ولذلك صارت مضرة بالأعضاء المذكورة، ولذلك لقوة بردها وبطء نفوذها. وإنما قلنا إن ماء الجمد أغلظ من الماء المجمد منه، وذلك لأنه عند جموده ذهب * لطيفه (508) . فإن قيل الماء متشابه * الأجزاء (509) لأنه بسيط وإذا كان كذلك فكيف يتصور أن يقال إن فيه لطيفا وكثيفا حتى يتأتى ما قيل؟، فنقول له: * أما (510) المشاهد بل الأرض المشاهدة والهواء أيضا جميعها ليس هي على * محض (511) بساطتها بل مختلطة البعض بالبعض، ولذلك قيل في الفلسفة ليس لنا من العناصر ما هو خالص على محوضته سواء النار والأرض القريبة من المركز، وإذا كان حال الماء المشاهد كذلك فيجوز أن المجمد يستولى على البعض من الماء قبل البعض، وذلك بحسب الاستعداد فعند ما يجمد البعض منه أولا يتلاشى ويذهب ألطف ما فيه بالجمود لأنه يبادر إلى ما هو أقبل من الماء لذلك وهو الجزء * الغليظ (512) ، ثم يحصل ذلك في البعض الآخر، ثم إلى آخره. فيتلاشى ألطف ما فيه جميعه. PageVW5P220B والدليل على هذا الذهاب أن الجمد إذا ذوب ووزن الماء الحاصل منه فإنه يكون أنقص من الماء المجمد منه.

البحث الثالث

في الثلج: الثلج له ماداتان: إحداهما البخار المرتفع من المياه والمواضع الرطبة، * وثانيتهما (513) هواء قد تكاثف وغلظ قوامه، * وذلك (514) لاستيلاء مبرد عليه. أما الأول فاعلم أن البخار قلما يرتفع إلى الجو هو خال من الدخان بل هذا * شيء (515) لا بد منه إما * أولا (516) فإن الجو لا يخلو منه أصلا وإما ثانيا * فإن (517) الدخان ألطف من البخار لأن فيه أجزاء نارية فيكون هو المعين على صعوده وارتفاعه * إلى (518) الجو. إذا عرفت هذا فنقول: هذا البخار المتصاعد إما أن يكون كثيرا وإما أن يكون قليلا. فإن كان الأول فإما أن يصادف في الجو من الحرارة ما له مقدار أو لا يصادف. فإن كان الأول تحلل ذلك البخار وتلاشى وصار هواء. وإن كان الثاني فإما أن يصعد إلى الطبقة الباردة أو لا يصعد. فإن كان الأول انعقد الصاعد سحابا قاطرا ماء، وإن لم ينعقد كان منه ضبابا. وإن كان الثاني كان سببه أحد أمور خمسة إما امتناع حصول رياح موجبة لصعوده وإما حصول رياح متقابلة تمنعه من الصعود وإما أن يكون الحر المتقدم من البخار وقف في الجو لثقله وبطء حركته ثم التصق به باقي الأجزاء وإما شدة برد الهواء القريب من الأرض فيغلظ البخار ويمنعه من الصعود. وفي مثل هذه الصورة إن صادف بردا في الليل * عقده (519) ذلك البرد ونزل ماء محسوسا نزولا لا يحس به إلا عند اجتماعه شيئا بعد شيء. فإن لم يجمد عند وقوعه على الأرض كان طلا، وإن جمد كان صقيعا، وإن صعد إلى الطبقة الباردة. فإما أن يصل إلى طبقة الزمهرير أو لا يصل فإن كان الأول كان منه البرد ويتشكل بأشكال مختلفة بمقادير مختلفة، وذلك بحسب استعداد المادة المتصاعدة. وإن كان الثاني كان منه الثلج وصار الثلج يكثر في زمان الشتاء والبرد فيه يقل، وزمان الربيع والخريف بعكس ذلك، وذلك لخلو الجو في زمان الربيع والخريف عن العائق لصعود الأبخرة المذكورة إلى طبقة الزمهرير ووجوده في PageVW5P221A زمان الشتاء وهو كثرة الأبخرة المتراكمة في الجو. وإن كان البخار المتصاعد قليلا فإما أن يصادف في الجو حرارة لها قدر أو لا يصادف. فإن كان الأول تلاشى وفنى وصار هواء يعين ما ذكرنا في الكثير. وإن لم يصادف ذلك فإما أن يصعد إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا يصعد. فإن كان الأول كان منه البرد والثلج على ما ذكرنا في البخار الكثير غير أن ذلك يكون هاهنا قليلا، وفي الأول كثير الوقوع متصل المجيء، وإن لم يصعد إلى الطبقة المذكورة. فأما أن ينعقد سحابا قاطرا أو لا ينعقد. فإن كان الأول حصل منه المطر، وإن كان الثاني حصل منه الغمام. وإن كان الثاني من أصل القسمة وهو أن يكون مادة الثلج هواء تكاثف وغلظ قوامه، فهذا القول مبني على انقلاب بعض العناصر إلى بعض. وذلك كما نشاهده من الأواني إذا * حيط (520) بها جمد أو ثلج فإنا نرى داخلها فيه مادة حتى لو دفنا كوزا فيه ثلج وجعلنا رأسه مكشوفا فقط ثم أخرجناه منه لرأيناه مملوءا. وقد تشعبت أقاويل الفلاسفة في هذه المسئلة ولنشير إلى خلاصة ما قالوه فيها فنقول: قالت الفلاسفة: لا شك أنا نشاهد الآنية إذا وضع فيها أو حولها جمد أو ثلج تجتمع على أطرافها أو في داخلها قطرات من الماء فهذه القطرات لا يخلو حالها من أمور ثلاثة: إما أن يقال إن الأجزاء المائية كانت مبثوثة في الهواء الذي يلي الآنية غير أنها كانت صغيرة جدا لم يقدر على خرق الهواء وانحدارها إلى أسفل، وأيضا أن حرارة الهواء تجذبها إلى فوق وتمنعها من ذلك، فلما برد الإناء بما ذكرنا برد الهواء القريب منه وزالت سخونته ثقلت * تلك (521) الأجزاء ونزلت إلى أسفل واجتمعت على الإناء أو في داخله؛ وإما أن يقال إن القطرات حصلت PageVW1P142B على سبيل الرشح من مسام الإناء؛ وإما أن يقال إن الهواء انقلب ماء. فهذه الأقاويل الثلاثة التي ذكرت في هذا المقام. ولنبين نحن الحق منها فنقول: أما الأول فباطل، وذلك لأن تلك القطرات نراها كلما نحيناها اجتمعت مرة أخرى، * فلو (522) كان السبب في حصولها ما ذكر لما كان الأمر كذلك لأن * في (523) المرة الأولى لما برد الهواء القريب من الإناء PageVW5P221B بردت جملة الأجزاء المائية المبثوتة فيه ونزلت على طرف الكوز، وحينئذ لم يبق في الهواء المحيط بالإناء شيء من الأجزاء المائية، ولا شك أنه يلزم من ذلك أن لا يرجع يجتمع على الإناء شيء من القطرات المائية. فإن قيل: * لم (524) لا يقال إن الهواء القريب من الإناء لما برد سرى البرد إلى أجزاء أخرى من الهواء الذي يليه ثم منه إلى الذي يليه ولا يزال كذلك حتى يستمر حصول القطرات؟، فنقول: ومع تقدير القول بهذا يلزم أن القطرات تنقطع في آخر وقت لأن الجزء من الهواء الآخر المتكثف بالبرد يكون * تكثيفه (525) به * تكثيفا (526) ضعيفا لا يقوى على ما يقوى عليه برد الإناء. وأما الثاني وهو القول بالرشح فهو باطل من وجوه أربعة: أحدها أن يقال إنا نغرض الكلام في أنية صلبة مستحصفة عديمة المسام كالمتخذة من الفضة * والذهب (527) والزجاج، فإن الآنية المتخذة من هذه الواجب على ما قيل إذا وضعت في الجمد أو في الثلج أن لا يظهر عليها شيء من القطرات والوجود بخلافه؛ وثانيها أن رشح الألطف أسهل من رشح الأغلظ، ولا شك أن الماء الحار ألطف من الماء البارد فيكون أقبل للرشح منه لكن الأمر المذكور لا يحصل منه إلا بوضعه داخل الإناء ولا * بوضع (528) الإناء داخله؛ وثالثها أن القطرات المذكورة تجتمع على موضع من الكوز فوق الذي يماسه الثلج * والجمد (529) والرشح إنما يكون في الموضع المجاور للرشح؛ ورابعها الجمد قد يبلغ من الصلابة بحيث لا * ينحل (530) منه شيء مع أن القطرات قد تجتمع على الإناء بوضعه عليه بل كلما كان الجمد أبعد من التحلل أي أصلب كان المعنى المذكور أتم وأكمل، وإذا بطل هذا وبطل القول بالقطر تعين لنا أن الحق هو القسم الثالث وهو أن الهواء انقلب ماء عند وضع الآنية في الجمد أو في الثلج، وذلك لأنه قد ثبت أن هيولى العناصر مشتركة وإذا كانت كذلك فيجوز انقلاب بعضها إلى بعض. فإن قيل: إذا كان برودة الإناء الموضوع في الثلج أو عليه تقلب ذلك الهواء ماء فذلك * الموضع (531) الذي كان كان الهواء فيه * انقلب (532) ماء إن بقي خاليا كان قولا بالخلاء وهو باطل. وإن لم يبق خاليا PageVW5P222A بل أتى * عليه (533) هواء آخر عوضه فهذا الهواء أيضا انقلب ماء ويلزم من ذلك أن يسيل من ذلك الإناء نهر عظي، فنقول: الجواب عن هذا أن الماء ألطف من الإناء وتسخين الألطف وتبريده أسهل من تسخين الأكثف وتبريده فيكون تسخين الماء عن الهواء الحار أسهل من تسخين الإناء عنه، وإذا كان كذلك فالإناء إذا برد أحال الهواء الملاصق ماء والتصق ذلك الماء بالإناء وسخن عن الهواء أيضا فسخونته عن الهواء تمنع وصول برودة جرم الإناء إلى الهواء الآخر فلا جرم لم ينقلب ذلك الهواء ماء، ولهذا السبب متى أزلنا * تلك (534) القطرات الملاصقة * بالإناء (535) عنه حصل عليه قطرات أخر. وأما إذا بقيت لم يحصل قطرات أخر البتة.

البحث الرابع:

الحس والعقل مطابقان على برد الثلج والجمد. أما الأول فالاستقراء يشهد بصحته، فإن من * لمسهما (536) أحس منهما ببرد قوي حتى أنه يحدث في حسه خدر والخدر من آثار البرودة. وأما الثاني فإن الثلج على ما عرفت مادته أبخرة مائية خالطتها أدخنة يسيرة والأبخرة مركبة من الأجزاء المائية والهوائية لكن المائية أوفر، وإلا كيف قبلت العقد والأجزاء المائية باردة، * والعاقد (537) له برد قوي، وعند عقده له أحال الأجزاء الهوائية التي فيه * إلى (538) المائية أو هواء انقلب ماء وانعقد ببرد قوي ثم انحدر إلى أسفل، * وكل (539) ذلك دال على البرد، فثبت بما ذكرنا صحة تطابق الحس والعقل على برد الثلج. وأما الجمد فذلك ظاهر فيه لأن مادته ماء محض والماء بارد والعاقد له برد قوي جدا. وقد ذهب * علاء (540) الدين ابن النفيس إلى أن الثلج حار وأن حكمه حكم الأدوية المسخنة التي هي باردة بالفعل وحارة بالقوة، وقد نقلنا كلامه في هذا المقام بلغظه في شرحنا لكليات القانون. وأما الآن فنذكر خلاصة ما ذكره في ذلك فنقول: قد تمسك هذا الفاضل على صحة ما ذهب إليه بوجوه خمسة: أحدها أن الثلج سحاب جامد والأجزاء الدخانية التي فيه لم تنفصل منه بعد تمام الاتصال، ونشاهد هذا منه إذا حل بالماء فإنا نرى الدخان متصاعدا منه والدخان لا محالة مسخن فيكون تسخينه PageVW5P222B بذلك الدخان ويكون تسخين ذلك الدخان أقوى من تبريد الأجزاء المائية التي فيه، ولذلك صار إذا * حصل (541) في الماء وزال تبريده العرضي عاد فسخن الماء البارد. ومن المعلوم أن المسخن * للماء (542) لا يكون إلا حارا فيكون تعطيشه بهذه الأجزاء * إلا (543) بما قيل إنه يجمع الأجزاء التي هي * الحرارة (544) الغريزية في داخل البدن. وثانيها * أنا (545) إذا أخذنا ما بين متساويين في المقدار من ماء واحد، وجعلناهما في إنائين متساويي الجوهر والمقدار وغير ذلك، ثم وضعنا الإنائين في موضع واحد بارد حتى بلغا في البرد إلى حد ما ثم جعلناهما في موضع لا يوجب تبريد الماء ثم جعلنا في أحدهما ثلجا والآخر لم نجعل فيه ذلك ثم تركنا الثلج إلى حين يذوب ويفنى بالكلية ثم لمسناهما، فإنا * نجد (546) الماء الذي كان فيه الثلج أسخن من الماء الآخر. وقد جرينا ذلك مرارا * كثيرة (547) ووجدنا ذلك كذلك. ومن المعلوم أنه لو لم يكن في الثلج حرارة لم يكن * كذلك (548) . ومن المعلوم أيضا أن الحرارة التي تسخن الماء الذي هو شديد البرد بذاته وبمخالطة الثلج له لا شك أنها تقوى على تسخين بدن الإنسان الذي هو معتدل. وثالثها: الثلج محتبس فيه أجزاء دخانية والأجزاء الدخانية لا * محالة (549) حارة والأجزاء المائية * التي (550) لا تقاوم حرارتها فيكون الثلج حارا. أما المقدمة الأولى والثانية فهما ظاهرتان بقيت المقدمة الثالثة وهي قولنا إن الأجزاء المائية لا تقاوم حرارة الأجزاء الدخانية، وذلك لأن جمود الثلج هو الذي يعين الأجزاء المائية على قهر حرارة الأجزاء الدخانية، فلما * زالت (551) عند الذوبان ظهر تأثيرها فسخنت. ورابعها: لو لم يكن في الثلج حرارة لكان جموده أقوى من جمود البرد، وذلك لأن البرد المجمد للثلج أقوى من البرد المجمد للبرد، والدليل على صحة * ذلك (552) كثرة الثلوج في البلاد الباردة جدا أو الفصول الباردة * جدا (553) كالشتاء وكثرة وقوع البرد في الربيع * والخريف (554) . * وخامسها (555) : الحس يشهد بتعطيش الثلج فنقول: تعطيشه إما أن يكون * لأنه (556) حار أو لأنه بارد فيعطش بالعرض. والثاني باطل، فإنه لو كان تعطيشه بذلك لكان الجمد والبرد أقوى تعطيشا منه، وليس كذلك، فهو إذن للحرارة. هذا خلاصة PageVW5P223A ما * تكلم (557) به المذكور في صحة دعواه. ولنتكلم نحن الآن معه فنقول له أولا على جميع التقادير هذه الأجزاء التي في الثلج التي ادعيت أنها هي المسخنة للبدن هل PageVW1P142A وجودها فيه بالفعل أو بالقوة، وليس لنا قسم ثالث لأن الكيفية التي يوصف بها الشيء إما أن يكون مدركه بحاسة اللمس أو لا يكون. فإن كان الأول فهو الموصوف بالفعل، وإن كان الثاني فهو الموصوف بالقوة، وعلى كلي * التقادير (558) إما أن تكون قاهرة للأجزاء الباردة التي * فيه (559) مقهورة عنها . وليس هاهنا أيضا قسم ثالث فيكون هاهنا أقسام أربعة: أحدها أن تكون الأجزاء الحارة بالفعل وتكون قاهرة للأجزاء الباردة؛ وثانيها أن تكون بالفعل وتكون مقهورة عنها؛ وثالثها أن تكون بالقوة وتكون قاهرة للأجزاء الباردة؛ ورابعها أن تكون بالقوة وتكون مقهورة عنها. فإن كان الأول فهو محال لأنه يلزم منه أن يكون ذاتبا مائعا لا جامدا لأن الفرض أن الأجزاء الحارة حاصلة بالفعل وهي قاهرة للأجزاء الباردة والوجود بخلافه. وإن كان الثاني فيكون الثلج باردا لأن الفرض أن الأجزاء البارد مقهورة، وإن كانت بالفعل فالحكم إنما هو * للأغلب (560) والمتسولي. وإن كان الثالث فيلزم أن ينتفع به في مداواة الأمراض الباردة السادجة والمادية فإن حكمه في هذا الأمر يكون حكم الأدوية المسخنة التي هي بالقوة، فإن هذه حالها كذلك لأن الأجزاء الحارة التي فيها بالقوة * هي (561) قاهرة للأجزاء الباردة، والوجود بخلافه لأن الثلج لو كان كذلك لانتفعنا به عند استعماله في الفالج واللقوة الاسترخائية * والاسترخاء (562) وغير ذلك، والوجود * بخلافه (563) . وإن كان الرابع فيكون نادرا لأن حكمه يكون كحكم الأدوية المبردة كالأفيون وغيره من الأدوية المبردة، فإنها جميعها كيفياتها بالقوة وفيها أجزاء حارة بالقوة لأنها مركبة من العناصر الأربعة غير أن الأجزاء الحارة التي فيها مقهورة بالأجزاء الباردة. وأما قوله إن حكمه حكم الأدوية المسخنة * فقول (564) فاسد من وجهين: أحدهما أن الدواء الحار بالقوة ظهور قوته * وتأثيره (565) مشروط بوروده إلى البدن وفعل قواه فيه، والثلج خروجه قوته المسخنة PageVW5P223B التي فيه على زعمه لا * يحتاج (566) إلى ذلك لأنه قد يخرج بذوبانه في الماء على ما اعترف به؛ وثانيهما أن قوى الأدوية المسخنة بالقوة لا تدرك بشيء من * المحسوسات (567) إلا إذا وردت * في (568) باطن البدن، فإنها حينئذ تدرك بحاسة اللمس والقوة في الثلج تدركها بحاسة البصر لأنا نشاهد منه عند ذوبانه دخانا متوفرا * متصاعدا (569) لا سيما متى كان متوفر المقدار، وقد اعترف هو بهذا، وإذا كان كذلك فلا يكون حكمه حكم الأدوية المسخنة بالقوة. إذا عرفت هذا فنقول: الجواب عما تمسك به أولا قوله «الثلج سحاب جامد فيه أجزاء دخانية» إلى قوله «ولذلك إذا حل» نقول له نحن: لا ننكر أن في السحاب أجزاء دخانية لأنه قد عرف أن الدخان والبخار قلما يرتفعان خالصين غير أن الأجزاء الدخانية هاهنا تكون مقهورة بالبرودة، وإلا كيف كان يكون قابلا للجمود من * الجمد (570) ، فإنه لو لا يكون في مادته استعداد لقبول شيء لما قبله فلو كانت الأجزاء الدخانية مستولية على الأجزاء الباردة لما كان كذلك لأن الحكم للغالب الذي حصل به الاستعداد، ومن هذا يفهم فساد قوله «ويكون تسخين الأجزاء الدخانية أقوى من تبريد المائية التي فيه». وأما قوله «ولذلك إذا حل بالماء وزال تبريده العرضي فإنه يعود مسخنا فيسخن الماء البارد» إلى آخره، نقول: هذا كلام عجيب من هذا الرجل، فإنه أدعى أن تعطيشه بما فيه من الأجزاء الدخانية التي هي الحارة وهذه الأجزاء محتبسة في خلله، وذلك لأنه لما كان العاقد له دون العاقد للبرد على المذهب الحق لم يشتد انعقاده فبقي متخلخلا والخلاء محال على ما بان في علم آخر علم فالحاصل أن الأجزاء الدخانية محتبسة في خلله. ولا شك أن الماء أغلظ من تلك الأجزاء والأغلظ من شأنه أن * يضغط (571) الألطف ويطلب الحلول من محله فالثلج عند ما * يذاب (572) في الماء لا شك أنه يهبط في الماء إما كله أو بعضه، وعند ذلك يضغط الماء للأجزاء الدخانية ويحل في محلها، ولذلك صار إذا حل في الماء رؤي له دخان متصاعد منه على ما اعترف به. وإذا كان كذلك فكيف PageVW5P224A يتصور أن يقال إن الأجزاء الدخانية تبقى فيه بعد ذوبانه ويسخن الماء والحاصر لها والقاهر لها على الاجتماع قد زال بالذوبان وهو الجمود؟، فقوله إنه إذا زال تبريده العرضي عاد فسخن الماء كلام في غاية الوهن، ومن هذا يظهر فساد قوله أيضا. ولعل تعطيشه بما فيه من الأجزاء الدخانية لا بما قاله الأطباء، * فإنه (573) كيف يتصور بقاء تلك الأجزاء بعد ذوبانه على ما ذكرنا. * والحق (574) في تعطيشه فهو بما قاله الأطباء. وقد اختلفوا في ذلك فقال قوم إنه لقوة برده تهرب الحرارة الغريزية منه إلى جهة القلب الذي هو محلها فيزداد الباطن سخونة ويحدث العطش. ومنهم من قال إن الثلج لشدة برده يؤلم المعدة لأنه مناف لها، ومن شأن الطبيعة أن تتوجه إلى الأعضاء المتألمة طلبا لمقاومة ما هو مؤلم لها ويتوجه بتوجهها الدم لأنه مركب لها والروح لأنها حاملة لها والحرارة الغريزية لأنها آلة لها، وهذه كلها حارة معطشة. ومنهم من قال إن الثلج لقوة برده يكثف المعدة، وعند ذلك يحبس الأبخرة فلا يتحلل * منها (575) قبل ذلك، وذلك موجب لاجتماع الحرارة فيها والحرارة معطشة لا محالة. هذا ما قاله الأطباء. وأما نحن فقد قلنا في ذلك وجهين: أحدهما أنه لما كان مسكنا للعطش والعطش مؤلم فالطبيعة تطلب الاستكثار منه لأجل الالتذاذ به؛ وثانيهما أنه لقوة برده إذا ورد إلى المعدة * كثف (576) ما يصادفه في المعدة من الرطوبات التي لا تخلو المعدة منها، وعند ذلك يشتد التصاقها بها وهي في نفسها قوية الحرارة لأنها عضو شريف وطابخة الكيلوس فتصير تلك الرطوبات حائلة بين الماء المشروب المسكن للعطش وبين جرمها، ولذلك صرنا * إذا (577) أمعنا في تبريد الماء بالثلج اشتد ما ذكرنا واشتد العطش تبعا لذلك. فالحاصل مما ذكرنا أن تعطيشه ليس لكونه حارا على ما ذهب إليه بل تعطيشه بطريق العرض، وليس كلما عطش * بهذه (578) الطريقة فهو حار، فإن السمك الطري الغير مملوح باتفاق منا ومنه أنه بارد رطب، ولذلك صرنا نستعمله في مداواة الدق وعندما نروم تبريد البدن وترطيبه وهو مع ذلك معطش PageVW5P224B تعطيشا قويا على ما شهد به الاستقراء، وكذلك الحس مع أنه مخدر منوم مبرد مرطب بدليل انتقاع المدقوق به والخيار المقشر أيضا كذلك. فلو كان حكمنا على كل ما يعطش كيف كان بالحرارة لحكمنا على ذلك * بالحرارة (579) وعلى ما يسكن العطش كيف كان بالبرودة لحكمنا على النوم بالبرودة. فإن محمد بن زكريا الرازي قد ذكر في كتابه المعنون بالمنصوري أنه مسكن للعطش * أي (580) العرضي. والجواب عما تمسك ثانيا لنا في هذا الوجه مقامان: أحدهما جواب والآخر إلزام. أما الجواب فنقول: لا نسلم بقاء الأجزاء الدخانية في الماء بعد ذوبان الثلج لأن الحابس والجامع لها في خلله الجمود الحاصل له فعند ذوبانه كيف * يتصور (581) بقاؤها وهي بطبعها طالبة للصعود والانعشاش لما * فيها (582) من الأجزاء * الدخانية (583) النارية، وأيضا الثلج على ما قلنا عند جعله في الماء يحل الماء في خلله التي الأجزاء الدخانية حاصلة فيها لأنه أثقل منها فيضغطها ويحل محلها. وأما المعارضة * فهي (584) أنا * إذا (585) أخذنا * إنائين (586) متساويين في المقدار وفي * الجوهر (587) وفي الثخانة وملأناهما من ماء واحد قد أسخن في إناء واحد * ثم (588) جعلنا في أحدهما ثلجا ولم نجعل في الآخر ثم تركنا الثلج إلى حين يذوب ويتلاشى ثم لمسناهما. فعلى ما ذكره يجب أن يزداد سخونة PageVW1P142B الماء المثلوج لأنه قد انضاف إلى سخونته * الأولية (589) سخونة أخرى، والوجود يشهد بخلافه. فإنا لو فعلنا بالماء المذكور ذلك لحسينا منه ببرد قوي. فإن قيل برودة الثلج فعلية وحرارته ليست كذلك والكيفية الفعلية تأثيرها يسبق الكيفية التي بالقوة وإذا كان كذلك فلم لا يقال إن الثلج عندما وضع في الماء المسخن أزال كيفيته العرضية ويرده ببرده العرضي، وعند هذا نقول للقائل كيف يتصور أن الماء المسخن إذا وضع فيه ثلج * بحيث (590) أن * يزاد (591) سخونته والذي نقوله نحن لهذا القائل: الأجزاء الدخانية التي في الثلج هل هي مسخنة أو ليست * بمسخنة (592) . فإن كانت غير مسخنة نقول للخصم: بطل ما أصلته وبنيت عليه دعواك. وإن كانت مسخنة فنقول: لا بدو أن يؤثر التسخين في الماء المسخن عند زوال PageVW5P225A كيفيته الباردة التي هي عرضية على ما زعم الخصم وإذا أثرت التسخين فتسخينها يستدرك ما * أثره (593) برد الثلج العرضي ويلزم من ذلك أن حرارة الماء المسخن المبرد بالثلج تعود إلى ما كانت عليه بعد ذوبان الثلج فيه وزوال برده العرضي. والجواب عما تمسك به ثالثا قوله إن الثلج * يحتبس (594) فيه أجزاء دخانية إلى آخره، نقول نحن: لا نمنع أن في الثلج أجزاء دخانية لكن نمنع أن تكون في قوتها وتأثيرها أقوى من الأجزاء المائية في * ذلك (595) للزم أن لا يجمد الثلج وينعقد بل يكون سائلا ومائعا ولو فرضنا أن * كونها (596) وتأثيرها على ما قاله الخصم غير أن الثلج عند ذوبانه تتحلل الأجزاء وتتلاشى أولا فأولا لطلب الماء المحلول في أمكنتها على ما عرفت. فإن قال: لا شك أن حالها عند ذوبانها في الماء كذلك لكن حالها في المعدة بخلاف ذلك أي أن المعدة تحصر أدخنتها وتجمعها وحينئذ تعطش، * فنقول (597) : لو كان تعطيشها * كذلك (598) للزم أن لا يعطش الماء المبرد بالثلج لأن أدخنته قد تلاشت وتحللت، والوجود * بخلافه (599) . فإن الماء المبرد بالثلج خارج الإناء * الذي (600) لم * يماسه (601) الثلج البتة نراه يفعل ذلك. والجواب عما تمسك به رابعا قوله: لو لم يكن في الثلج حرارة لكان جموده أقوى من جمود البرد إلى آخره، نقول: نحن لا نمنع أن في الثلج أجزاء دخانية لكن لو فرضنا خلوه منها لكان جموده دون جمود * البرد (602) لأن المجمد للبرد أقوى من المجمد للثلج، وكيف لا وقوة الأثر تدل على قوة المؤثر، ولا شك أن البرد أشد جمودا من الثلج فيكون المجمد له أقوى من المجمد للثلج. وأما استدلاله على أن المجمد للثلج أقوى من المجمد للبرد بكثرة حدوثه في البلاد الباردة والفصول الباردة، نقول: إنما صار الثلج يكثر فيما ذكره، وذلك لكثرة الأبخرة وتلبدها في الجو في زمان الشتاء والبلاد الباردة فتمتنع مادة الثلج من الصعود إلى طبقة الزمهرير التي هي العاقدة للبرد، وإلا لو لا هذا العائق لصعدت تلك المادة إلى الطبقة المذكورة وانعقدت بردا، ولذلك لما كان الجو في البلاد الحارة وفي * زماني (603) الربيع والخريف خاليا من العائق PageVW5P225B والمانع من * الصعود (604) كثر * توليد (605) البرد فيها، ومن هذا يظهر فساد ما استدل * به (606) على ضعف العاقد للبرد بكثرة حدوثه في البلاد الحارة والفصول * الحارة (607) كفصلي الربيع والصيف. والجواب عما تمسك به خامسا قوله: الحس يشهد بتعطيش الثلج فنقول تعطيشه إما أن يكون لأنه حار أو لأنه بارد إلى آخره، نقول: تعطيشه * لبرده (608) بالوجوه التي ذكرناها قوله: لو كان تعطيشه لبرده لكان تعطيش البرد والجمد أقوى من تعطيش الماء المبرد بالثلج، نقول: والأمر كذلك، وكيف لا وهما خاليان من الأجزاء الدخانية. وأيضا فإن الماء المذاب من البرد الجمد أغلظ * قواما (609) من الماء المنحل من الثلج على ما عرفت والأغلظ أثبت في المجاري من الألطف فيكون تأثيره أدوم وأبقى. وقد علمت أن المجمد للبرد والجمد أقوى من المجمد للثلج فيكون مع دوام تأثيره وثباته أقوى فيكون تعطيشه أبلغ فثبت * حينئذ (610) بما ذكرنا فساد ما ذهب إليه هذا الرجل في أمر الثلج وهو أنه حار. وصحة ما ذهبنا نحن إليه * ومنه (611) تعلم صحة ما حكم به أبقراط من المضار الحاصلة من استعمال الجمد * والثلج (612) . والله أعلم.

Unknown page