Sharḥ Fuṣūl Abūqurāṭ
شرح فصول أبقراط
معنى المسكن عند الأطباء هو الدافع لما هو متوقع الحدوث من الوجع. وقد عرفت أن الوجع إحساس بالمنافي من حيث هو * مناف (631) فيكون هاهنا حاس ومحسوس وإحساس. والحاس هو القوة المدركة، والمحسوس هو الأمر المؤذي وهو إما المادة المؤذية أو السوء المزاج، والإحساس هو الانفعال * للقوة (632) المدركة عن ذلك المؤذي، * فالإحساس (633) هو * باق (634) ببقاء المؤذي إذا لم يتمكن ويستقر ويلزم ذلك بقاء الوجع. وإذا كان كذلك فالمسكن للوجع على وجهين: تارة يكون مسكنا بالنظر إلى فعله في القوة، تارة يكون مسكنا بالنظر إلى فعله PageVW1P142A في المؤذي. والأول على ثلاثة أوجه: أحدها أن يورد عليها ما يشغلها عن إدراك الألم، وذلك كما إذا ورد على المتألم امر مهم عند الطبيعة المدبرة للبدن، فإنها عند ذلك تشتغل به * وتغفل (635) عن الجانب الآخر؛ وثانيها أن يورد عليها ما يضعفها وينقص حسها، وعند ذلك يقل الانفعال ويضعف الألم ويسكن، وذلك كفعل المخدرات في تسكين الألم؛ وثالثها أن تترك القوة المدركة على حالها لكن بميلها إلى جهة أخرى كما في النوم، فإن الطبيعة تغور فيه إلى الباطن هيء الأرواح * والحرارة (636) الغريزية طلبا للراحة ولغيرها فيقل الإحساس بالمؤلم فيقل الوجع ويسكن عما كان قبل ذلك. وأما الثاني وهو أن يكون النظر إلى فعله في المؤذي فذلك إما باستفراغ إن كان ماديا أو بتبديل * مزاج (637) إن كان * سادجا (638) ، وهذا هو المسكن الحقيقي لأنه ليس فيه ضرر البتة بالقوة كما في الأول. والله * أعلم. (639)
26
[aphorism]
قال أبقارط: الماء الذي يسخن سريعا ويبرد سريعا فهو أخف المياه.
[commentary]
الشرح هاهنا مباحث أربعة.
البحث الأول
في الصلة: وهو أنه لما ذكر في الفصل * الماضي (641) الصور التي ينفع فيها PageVW5P227A الماء البارد، ذكر في هذا الفصل الأفضل من الماء. فإن المستعمل من كل شيء في المداواة بل وفي حفظ الصحة ومداواة الأمراض على أتم وجه وأكمله. * والماء (642) الفاضل له صفات من جملتها خفة الوزن، فإن ذلك يدل على لطف جوهره وخلوه من الأجزاء الأرضية التي هي موجبة لغلظ جوهره ولثقل وزنه، ويعرف هذا القدر منه بسرعة تسخينه وتبريده، فإن انفعال اللطيف من المسخن أو المبرد أسرع من انفعال الغليظ، * وكذلك (643) زوال ذلك عنه. ومراده بالأخف الأخف في الوزن وعلى المعدة، فإن الأخف في أحدهما هو الأخف في الآخر. ويعرف خفة المياه وثقلها بوجهين: أحدهما أن يوزن * إنائان (644) وزنا محررا ثم يملئان من مائين ثم يوزنان بعد ذلك فإن * الذي (645) هو أخف ماؤه أخف والذي هو أثقل ماؤه أثقل؛ وثانيهما أن توزن حرقتان * متساويتا (646) الوزن ويبلان بمائين * مختلفين (647) ثم يجففان تجفيفا بالغا في موضع واحد ثم يوزنان فالماء الذي خرقته أخف فهو أخف، والماء الذي خرقته أثقل فهو أثقل، وذلك لأن الأجزاء الأرضية التي في الأغلظ الموجبة * لثقله (648) تبقى متشبثة بها بعد تبخر الأجزاء المائية منها فيزيد في ثقلها غير أنه لا يجب أن يقال إن الأخف مطلقا أفضل من الأثقل إلا بشرط اتفاقهما في الطعم، فإن من المحتمل أن يكون الأخف قد غلب عليه طعم معدني رديء والأثقل طعمه طعم طيب، وفي مثل هذه الصورة يكون الأثقل أفضل من الأخف. وذكر أبقراط في * صفات (649) المياه الفاضلة بسرعة تسخينه وتبريده لأنه كان قد * تقدم (650) في الفصل الماضي نفع الما فيما ذكره، وذلك إنما يكون بتبريده وتخديره.
البحث الثاني:
المياه على نوعين خفيفة وثقيلة فالخفيفة من كل نوع أفضل من الثقيلة، فلذلك كان من الواجب تلطيف المياه الثقيلة. والطريقة في ذلك من وجوه * خمسة (651) : أحدها الترويق، وثانيها التصعيد، وثالثها التقطير، ورابعها المخض، وخامسها الطبخ. فهذه الأمور الخمسة إذا استعمل الواحد منها في المياه الغليظة لطف * قوامها (652) وخفف وزنها، وإن استعملت جملتها كان أبلغ في ذلك. أما الترويق PageVW5P227B فهو أن يجعل الماء الكدر في راووق قد طلى باطنه * بقلب (653) لوز حلو مدقوق دقا بالغا أو بخبز مبلول بماء بحيث أن مسام الراووق يضيق إلى الغاية ويعلق الراووق ويترك الماء ينزل من ذاته فإنه ينحدر منه * الألطف (654) وتبقى الأجزاء الأرضية داخل الراووق. وأما التصعيد فهو أن يجعل الماء الكدر أو الغليظ في قرع ويعلق * في (655) فم القرع أنبيق ويوقد تحت القرع نار هادية، وبالجملة يعمل به كما يعمل بماء الورد في استخراجه من الورد فإنه عند ذلك يقطر منه ألطف ما فيه وتبقى الأجزاء الأرضية محتبسة في القرع. وأما التقطير فهو أن يؤخذ قطعة لبد طويلة قليلة العرض ويجعل الماء الكدر أو الغليظ في * إناء (656) عاليا وطرف اللبد فيه وطرفه الآخر في إناء آخر متسفل فإنه عند ذلك يقطر منه ماء صاف إلى الغاية وتبقى الأجزاء الأرضية في الإناء الفوقاني وفي اللبد. وأما المخض فهو أن يجعل الماء الكدر في وعاء ويحرك تحريكا متواترا كما يفعل باللبن * الحليب (657) عند أخذ الزبد منه فإنه عند ذلك يثخن ويرق جرمه ويسهل على الأجزاء الأرضية إخراقه والرسوب في أسفله. وأما الطبخ فوجه إصلاحه للمياه المذكورة هو أن الواجب لغلظ قوام الماء أحد أمرين إما كثافته بالبرد وإما اختلاط أجزاء أرضية صغيرة الجرم به لا يدركها الحس ولا يقدر على خرق الماء والهبوط إلى أسفل. والأول * يزيله (658) بسبب ما يفيد الماء المذكور من السخونة، والثاني يزيله أيضا لأن تلك الأجزاء بطبعها تطلب الرسوب والهبوط إلى أسفل، والذي يمنعها من ذلك كثافة الماء وغلظ جوهره فيضعف جرمها عن إخراقه وهبوطها إلى أسفل. فإذا طبخ رق قوامه وتخلخل جرمه، وحينئذ يتهيأ لتلك الأجزاء النزول والانفصال عنه، ويدل * على (659) هذا القدر أن الماء المطبوخ إذا ترك إلى حين يبرد ووزن فإنه يصير * أخف (660) من الغير مطبوخ من صنفه. فإن قيل الطبخ يذهب لطيف الماء ويفنيه، وذلك بالتبخير، وإذا كان كذلك فكيف يقال إنه PageVW5P228A يلطف الماء ويرق قوامه؟، فنقول: الماء جوهر قريب من البساطة وتشابه الأجزاء غير أن تكثيفه وتغليظ قوامه يكون لأحد الوجهين المذكورن، والطبخ * يزيلهما (661) على ما عرفت. ويكون الذي انفصل منه بالتبخير مجانسا لما بقي منه غير * بعيد (662) عنه لأنه إذا تخلص من الشوائب تشابهت أجزاؤه * في (663) اللطافة فلم يكن للمتصاعد منه كثير فضل على ما فيه غير أن هذا القدر يحتاج إلى تفصيل وهو أن اختلاط الأجزاء الأرضية بالمائية على وجهين: أحدهما اختلاط بمعنى * المجاور (664) كالمياه الغليظة، وثانيها اختلاط بمعنى الممازجة كماء البحر. فما كان من المياه من القبيل الأول فالطبخ يلطفه ويزيل أرضيته عنه، وما كان من * المياه (665) من القبيل الثاني فالطبخ يزيده تكاثفا وغلظا. ولذلك صار ماء البحر إذا طبخ انعقد ملحا، فبهذه الوجوه يتوصل إلى تلطيف المياه الغليظة وتخليص الأجزاء الأرضية عنها، فإنها متى كانت لطيفة خفيفة في الوزن سهل انحدارها عن المعدة وخروجها عنها ويترتب على ذلك سرعة تنفيذها للغذاء المترتب عليه سرعة التغذية المترتب عليه سرعة تقوية القوة، هذا حكمه بالنسبة إلى التغذية. وأما بالنسبة إلى أمر آخر فهو امتناع توليد الحصا منه والتسديد للمجاري والمنافذ والإعداد لتوليد الأخلاط الغليظة الثقيلة.
Unknown page