323

في الصلة: وهو أنه * لما (695) ذكر في الفصل الماضي الفاضل * من (696) المياه PageVW5P230A ذكر في هذا الفصل الوقت الذي يجب استعماله فيه والوقت الذي لا يجب استعماله فيه. فإن الفاضل من كل شيء فضيلته إنما تكمل إذا استعمل في وقته وبمقداره.

البحث الثاني:

الذي صح عندي في تفسير هذا الفصل أن أبقراط لم يأذن لمن دعته شهوته إلى الشرب بالليل أن يشرب أو لا يشرب لكنه إن شرب ونام بعد شربه فإنه أجود من أن لا ينام، وذلك لأن النوم يتدارك ضرر الشرب، وذلك * أن (697) العادة لم تجزنا بالشرب بالليل، فإذا شرب فيه فلا محالة أن ذلك الشرب يحدث في الهضم فجاجة وفسادا كحال الماء البارد إذا صب في قدر فيها طعام وهو يغلي على النار، فإذا حصل بعد ذلك نوم تدارك الضرر بما يحدثه من قوة الهضم وتجويده بسبب انعطاف الحرارة الغريزية والقوى الطبيعية إلى جهة الباطن، وهذا القدر حاصل عن العطش مطلقا سواء كان صادقا أو كاذبا. ولأجل هذا قال «من دعته شهوته إلى الشرب بالليل» ولم يقل «شهوته الصادقة أو الكاذبة». * قال (698) : وكان عطشه شديدا * لأنه (699) لم تجر العادة بشرب الماء في الليل. قال : الواجب أن لا يكون شربه إلا إذا كان العطش شديدا لأنه متى كان كذلك الواجب أن لا يترك استعمال ما يسكنه من شرب الماء.

البحث الثالث:

المشهور من كلام PageVW1P143A الفاضل جالينوس ومن كلام ابن أبي صادق في تفسير هذا الفصل أن العطش على نوعين: صادق وهو الحادث عن استعمال الأغذية والأشربة المسخنة، ومثل هذا النوع لا ينبغي أن ينام عليه لأن ذلك * يزيد (700) فيه بل الواجب أن يشرب ذلك الشخص رئة من الماء بشرط أن يكون امتصاصا ليكون انحداره وقرعه للمعدة بالتدريج، وهذا النوع خارج عن كلام أبقراط؛ وكاذب وهو الحادث عن استعمال أغذية لزجة تحيل ما يتولد منها بين جرم المعدة وبين الماء المشروب، ومثل هذا النوع من العطش الأجود لصاحبه أن لا يشرب ماء باردا بل أن ينام، فإن النوم بعد ذلك يعطف الحرارة الغريزية والقوى الطبيعية إلى جهة الباطن فتنهضم تلك الرطوبات وتتحلل وتنحدر عن المعدة، PageVW5P230B وشرب الماء المذكور يكثفها ويزيد في التصاقها بخمل المعدة. قال ابن أبي صادق: ولما كان المراد من العطش هذا النوع، قال «من دعته شهوته» فإن الذي يشرب للشهوة لا يكون شربه للعطش الصادق. وقال أيضا: فإنه إن نام بعد ذلك فذلك محمود والعطش الصادق لا يحمل التهاون به ولا النوم عليه. وهذا الكلام فيه نظر من وجوه ستة: أحدها أنه إذا * كان (701) شرب الماء البارد رديئا في العطش * الكاذب (702) وهذا العطش قد يحصل بالليل وقد يحصل بالنهار، وإذا كان كذلك فما بال أبقراط خصص كلامه بالليل؛ وثانيها الشهوة على نوعين، صادقة وكاذبة، وإذا كانت الشهوة يراد بها ذلك فلم * خصصت (703) الشهوة هاهنا بالكاذبة دون الصادقة؛ وثالثها الأغذية المعطشة تعطيشها على نوعين إما للغسل وإما للإسالة، فأما التي للغسل * فكالأغذية (704) المالحة فإنه تحت الطبيعة على طلب الشرب ليغسل ما صار في المعدة منها، وأما التي للإسالة فكالأغذية اللزجة فإن الطبيعة تطلب الشرب ليرق قوامها ويسهل نفوذها ويزول التصاقها بخمل المعدة، وإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقال إن الشرب عند حصول العطش الحاصل عن المواد المذكورة رديء؛ ورابعها أن العطش سواء كان صادقا أو كاذبا فإنه مؤذ وكل مؤذ مضر بالفعل وكل مضر * بالفعل (705) فالواجب مقاومته وقهره بإيراد ما * يضاده (706) ، والعطش معناه افتقار الطبيعة إلى البارد الرطب فمتى حصل * لا (707) سيما وكان شديدا سواء كان بالليل أو بالنهار، وعلى أي وجه كان الواجب * تسكينه (708) بالشرب؛ وخامسها أن دفع الرقيق من الدافع أسهل من دفع * العليل (709) أو * اللزج (710) ، ولا شك أن العطش الكاذب إذا شرب صاحبه ماء باردا فإنه بعد لحظة تسيل تلك المادة اللزجة ويرقق قوامها لأنه يختلط بها ويسخن بسخونتها، ولذلك أمر الأطباء لصاحب الهيضة * من (711) رطوبات فاسدة ملتصقة بخمل المعدة إذا شرب ماء باردا لأجل تسكين عطشه أن يصبر على ما يحصل له من العطش بعد ذلك، وذلك ليرق قوام تلك PageVW5P231A المادة اللزجة ويزول التصاقها بخمل المعدة ويسهل على الطبيعة دفعها، * وإذا (712) كان الحال كذلك فكيف صار صاحب العطش المذكور إذا نام بلا شرب كان ذلك أجود من نومه بشرب؛ وسادسها أن التفسير المذكور لم تعطه * لفظة (713) أبقراط فإنه قال إنه إن نام بعد ذلك فهو محمود، ويكون تقدير قوله من أوجبته له شهوته أن يشرب بالليل فإنه إذا نام * بعد (714) شربه فهو محمود، وذلك لما قلناه.

البحث الرابع:

قد عرفت أن معنى العطش افتقار الطبيعة إلى البارد الرطب، وسببه إما من خارج * وإما (715) من داخل. والأول كاستعمال الشراب العتيق الصرف والمياه المالحة والأغذية المسخنة بالفعل أو بالقوة والأدوية المسخنة. والثاني إما عام للبدن وإما خاص بعضو، والعام كالحاصل في الحميات الحادة الملتهبة، والخاص إما بوسط أو بغير وسط، والوسط كالكائن بشركة القلب أو الرئة في سوء مزاجهما * الحار (716) الساذج والمادي، * وكالكائن (717) بمشاركة الدماغ كما في المانيا * والسرسام (718) ، وكالكائن بمشاركة الماساريقا عندما يحصل فيها سدد بحيث أنها * تحيل (719) بين الماء ونفوذه إلى البدن فلا يسكن العطش وإن شرب ماء كثير، ولذلك صار يقوى في الاستسقاء، وكالكائن بمشاركة الكبد وذلك * كما (720) في ورمها الحار والبارد أيضا لأنه يمنع الماء المشروب من الوصول إلى جهة * الأعضاء (721) ، وقد يكون بشركة الكلي، وذلك كما في ديابيطس. والخاص بغير وسط كسوء مزاج عارض للمعدة إمأ ساذج أو مادي أو لرطوبات لزجة ملتصقة بخملها، فإنها متى كانت كذلك أحالت بين جرم المعدة والماء المشروب. والله أعلم.

28

[aphorism]

قال أبقراط: التكميد بالأفاوية يجلب الدم الذي يجري من النساء وقد كان ينتفع به في مواضع أخر لو لا أنه يحدث في الرأس ثقلا.

Unknown page