329

البحث الأول

في الصلة: وهو أنه قد عرف أن ضرر الجنين يكون لضرر محله أو لضرره في نفسه. ضرر محله قد يكون خاصا به، وقد يكون لضرر * مجاورته (786) . ثم لما تقدم ضرره المجاوري لما عرفت، ذكر في هذا الفصل الضرر الخاص به وهو اختناق * الرحم (787) . ومراده بالاختناق الطمثي لا المنوي PageVW5P236A فإن المنوي لا يكون معه حبل لأنه حادث PageVW1P144B من احتباس المادة المنوية، وذلك إما لبكورية المرأة وإما لبعد عهدها بالجماع وكانت معتادة له. وهذا جميعه لا يكون معه حبل، والحاصل للجنين نفسه هو ضعف قواه. وقد أشار * إليه (788) «أو عسر الولادة» فإن من جملة ذلك * أسباب (789) * ضعف (790) الجنين على ما ستعرفه. وذكر هذا الضرر مع الضرر الخاص بالعضو ولم يذكره في الفصل الماضي المتضمن ذكر الضرر المجاوري لأنه أنسب به فإن ذكر ضرر المحمول من نفسه أولى من ذكر ضرر المحمول من نفسه مع ذكر الحامل لمجاورته * غيره (791) .

البحث الثاني:

قال جالينوس: الغامض في هذا الفصل حرف واحد وهو قوله «علة الأرحام»، فإن قوما من اليونان فهموا من قوله هذا جميع علل الأرحام، وقوما فهموا منه أنه عنى بذلك المشيمة، وقوما فهموا منه أنه أراد بذلك اختناق الرحم. قال: والقول الأول خطأ فإن العطاس لا ينفع من قرحته ولا من ورمه لا سيما الحار ولا من جراحة. وقول الثاني أيضا باطل فإن العطاس وإن كان يعين على إخراج المشيمة غير أنه لا يجوز أن يقال إن لفظة الرحم تطلق على المشيمة فقد جاء في كلام أبقراط الرحم والمشيمة وهكذا عندنا اليوم فإن هذا اللفظة لا تطلق على المشيمة البتة فلم يبق ما هو حق سوى القول الثالث والعطاس في هذه العلة محمود من حيث هو سبب ومن حيث هو علامة. أما الأول فمن وجهين: أحدهما من جهة حركته ونفضه تثير الطبيعة لدفع المؤذي، ولذلك صار نافعا من الفواق؛ وثانيهما أن هذه * الحركة (792) يلزمها انقباض الأعضاء ثم انبساطها ويتبع ذلك دفع ما هو ملتصق بسطوحها، ونفضه مثل المادة المنوية والطمثية في هذا المرض والفواقية من المعدة. وأما الثاني فمن وجهين: أحدهما أن هذا المرض يتعطل فيه الحس والحركة، ولذلك صار يشابه السكتة، فإذا حصل فيه عطاس دل على حس ما للدماغ يشعر به عند ورود المؤذي عليه؛ وثانيهما أنه يدل على نهوض الطبيعة البدنية لمقاومة المؤذي. ولا شك أن هذا القدر يدل على ضعف السبب عن أن تقهر القوة البدنية. هذا حكم العطاس PageVW5P236B في اختناق الرحم. وأما في عسر الولادة فإن العطاس مما يعين على سهولة خروج الجنين، وذلك من جهة إنهاضه للطبيعة وهزه للأعضاء ولعلائق المشيمة فهو محمود من حيث هو سبب فقط.

البحث الثالث:

اختناق الرحم حاله يشبه الصرع والغشي، وذلك لارتفاع أبخرة سمية من جهة الرحم إلى الدماغ والقلب * لاستحالة (793) مادة مختنقة فيه إلى تلك الكيفية وهو على نوعين: منوي وطمثي. أما المنوي فإن المادة المنوية إذا طال زمان احتباسها إما للبكورية أو لبعد العهد بالمجامعة بعد كثرة الاعتياد له اجتمعت وتراكمت بعضها على بعض واستحالت إلى كيفية سمية، فإن المادة المذكورة أقبل للاستحالة من الدم، وإن كانت متولدة منه كاللبن فإنه أقبل الاستحالة من الدم، وإن كان متولدا عنه وذلك للطف المني واللبن بسبب الاستحالة الثانية ولتوفر الرطوبة عليهما، ولذلك كان المنوي أردأ من الطمثي وأقبل. وهذه العلة لها أدوار غير أن هذه الأدوار قد تكون متباعدة وقد تكون متقاربة، وذلك بحسب اختلاف المادة في مقدارها وكيفيتها وقوة الرحم وضعفه، ومتى تقاربت نوائب هذه العلة قبلت كل هذا بما يرتفع من تلك المادة إلى القلب والدماغ. أما القلب فيتأدى الأرواح الحيوانية وخروجها عن أمزجتها الصالحة بها لأن تقبل القوى الحيوانية والحرارة الغريزية، ولذلك صار يحصل من ذلك الغشي. وأما الدماغ فيتأدى بما يرتفع إليه من ذلك وتتعطل قواه المحركة والحساسة عن النفوذ في مسالكها، وعند ذلك تتعطل حركة التنفس ويترتب على ذلك عدم دخول الهواء البارد * إلى (794) الرئة أو تعذره وكذلك خروج البخار الدخاني. ويحصل من هذا جميعة تغير الأرواح الحيوانية عن صلاحتها لقبول الحياة. ولذلك صارت هذه العلة إذا تواترت نوائبها قتلت. وأما الطمثي فسببه احتباس المادة الطمثية وتراكمها في الرحم واستحالتها إلى الكيفية المذكورة لسدد في مجاري الرحم فترتفع تلك الكيفية إلى القلب والدماغ وتوجب ما ذكرنا في المنوي. ومما ذكرنا يعلم الفرق بين المنوي والطمثي PageVW5P237A ويعلم أيضا مشابهة هذا المرض للصرع والسكتة * لكن (795) الفرق بينهما وبين الصرع من وجهين: أحدهما أن الصرع يكون معه زبد وهذان لا يكون معهما ذلك لبعد الآفة عن الدماغ؛ وثانيهما أن الصرع لا يتقدمه احتباس دم الطمث ولا عدم الجماع * إلا (796) بعد العهد * باستعماله (797) وهذه العلة يتقدمها ذلك. وأما الفرق بين اختناق الرحم وبين السكتة فهو أن الاختناق يتقدمه ما ذكرنا والسكتة لا يتقدمها ذلك، وهذا المرض لا يتعطل فيه الحس والحركة، ويتعطل ذلك في السكتة.

البحث الرابع:

عسر الولادة تارة يكون من جهة الحبلى وتارة يكون من جهة الجنين وتارة يكون من جهة المشيمة وتارة يكون من جهة المجاور وتارة يكون من جهة أسباب بادية. أما الكائن من جهة الحبلى فهو أن تكون ضعيفة * أو (798) لمقاساة أمراض متطاولة أو جوع مفرط أو أن تكون المرأة جبانة أو غير معتادة للحمل والوضع فيكون فزعها أكثر ووجعها أشد أو أن تكون * عجوزة (799) ضعيفة القوى أو قليلة الصبر على الألم والوجع أو تكون كثيرة التقلب والتململ فيؤدي ذلك إلى سبب أخر وهو تغير الشكل الطبيعي عن الهيئة الموافقة للخروج. وأما الكائن من جهة المولود فهو أن يكون كبيرا أو كبير الرأس أو له رأسان أو تكون أنثى فإن ولادة الأنثى أعسر من ولادة الذكر، وذلك لضعف قواها أو يكون ضعيف القوة فيكون ضعيف المعونة على الخروج أو خرج على شكل غير طبيعي. وأما الكائن من جهة الرحم فتكون * ضعيفا (800) أو يكون فيها ورم أو شقاق أو بواسير أو أنها كانت رتقا فشق الصفاق عن فمها شقا غير * مستوف (801) ويكون حالها حينئذ كحالها إذا كانت * ضعيفة (802) خلقة. وأما الكائن من جهة المشيمة فهو أن تكون غليظة فلا يقبل الخرق بسرعة فلا يجد الجنين مخلصا أو * يتخرق (803) بسرعة وتخرج الرطوبات قبل خروج الجنين فلا يجد مزلقا بعينه على الخروج. وأما الكائن من جهة المجاورة فهو أن يكون في المثانة ورم أو في المعاء أو فيها ثفل يابس فيزاحم فم الرحم ويمنع الجنين من الخروج بسرعة. والكائن من جهة الأسباب البادية PageVW5P237B مثل أن يشتد البرد في وقت الولادة أو تكون المرأة كثيرة التعطر وشم الطيب في حال الحبل فيكون الرحم دائم الانجذاب إلى فوق. والله أعلم.

36

[aphorism]

Unknown page