331

[commentary]

الشرح هاهنا مباحث أربعة.

البحث الأول

في الصلة: قال جالينوس: هذا الفصل مثل الفصول الماضية * التي (817) تدل على ما يعرض للطفل في البطن بسبب نقصان غذائه. فإن بين الثدي والرحم مشاركة بالعروق، فإذا نقص الدم في تلك العروق ضمر الثديان، وسبب نقصان الغذاء ربما مات الطفل وربما تحرك للخروج. قال الأطباء: إذا احتوت الرحم على المني انضمت أفواه الأوردة التي في الرحم واحتبس دم الحيض إلى حين تتكون المشيمة وتتكون فيها الأوردة وتتصل فوهات الأوردة التي فيها بفوهات تلك الأوردة وينفذ فيها دم PageVW5P238B الحيض. وعند ذلك ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أجوده وأفضله وأحلاه يغتذي به الجنين، فكل عضو يحدث منه ما يناسبه ويلائمه منه. وقسم منه قريب من هذا يصعد إلى الثديين في العروق المشتبكة بينهما فيستحيل هناك لبنا غير أن هذا يكون في أول الحمل * قليلا (818) جدا لوجهين: أحدهما لأن العهد بخروج الدم بالحيض قريب فلا يكون ما يفضل من الدم لأجل اللبن له مقدار يعتد به، فلذلك لم يظهر العظم في الثديين في أول الحمل؛ وثانيهما * لأن (819) الجنين بعد صغير بطيء الخروج فلم تحتج الطبيعة أن تهيء له غذاء معدا له لأن يغتذي به بعد خروجه. وقسم منه يبقى محتبسا يصعد منه شيء في أول الحمل إلى المعدة في العروق التي تشاركها الرحم بها وتوجب الشهوات الرديئة المسماة عند الأطباء بالوحام إلى الشهر الرابع إلى حين تكبر المشيمة وتتسع ويسع ذلك المقدار من الدم، ولذلك صارت هذه الشهوة تنقص بمقدار ما يعظم المشيمة ويكبر الجنين ويكون ما يجذبه من الدم الصالح لتغذيته مقدارا متوفرا ثم يحتبس هذا * القسم (820) بعد ذلك ويخرج مع الجنين ليعينه على الخروج بالإزلاق، ولذلك صار هذا الدم متى سبق خروجه لخروج الجنين تعذر الطلق * وعسر (821) خروج الجنين. واعلم أن الحق عندي أن هذا القسم الثالث هو بالحقيقة الطمث لا ما يغذو الجنين ولا ما يصعد إلى الثديين لأن دم الطمث فضلة بدن المرأة وهو من الفضلات التي لم ينتفع بها في التغذية كالبراز والبول، فإنه لا ينتفع بهما إلا نادرا ودم الطمث لا ينتفع به إلا في وقت خروج الجنين، ولذلك اشتق له اسم من * النجاسات (822) فسمي طمثا، ودم يكون حاله كذلك كيف يجوز أن يقال إنه يغذي بدنا تكون القوى فيه عاجزة ضعيفة عن إحالة الدم الجيد الفاضل إلى جوهر الأعضاء لو لا ما تعينه حرارة أمه الحاصلة له بالانحصار فكيف الدم الفاسد بل الحق في ذلك أن الطبيعة البدنية ترسل في هذا الوقت دما صالحا من أجود دم في البدن وأفضله لغذاء الجنين غير أنه لما لم يكن له مجاري دم * للحيض (823) صارت تنفذه * في (824) تلك المجاري فتخالط تلك المادة PageVW5P240A عند مجيئها في وقتها، فإن وقت اندفاعها إلى الرحم لم يتغير البتة غير أنه في زمان الحمل لم يخرج إلى خارج لما * ذكره (825) . فإن قيل هذا الكلام فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها * أن (826) الجنين نراه بعد خروجه يعتريه الجدري والخصبة بالجملة أمراض دموية حاصلة عن فضلة غذائه وهو في رحم أمه الذي هو دم الحيض الذي هو فضلة، فلو كان اغتذاؤه من دم صالح نقي لما حصل له ذلك * عند (827) ما يناسبه عليه، ونحن نراه لا بد له من ذلك حتى أن من الناس من يجدر في عمره مرتين؛ وثانيهما: إذا كان سبب احتباس دم الحيض في وقت الحمل انضمام أفواه أورده الرحم في مبادئه ثم التصاق فوهاتها بفوهات أورده المشيمة ونفوذ الدم من تلك في هذه لا لتغذية الجنين ولا لصعوده إلى الثدي، فما بال المراضع يحتبس دم حيضهن وليس في الرحم ما قالوه من حابس الدم؛ وثالثها: الأطباء جميعهم اتفقوا على أن الجنين متكون * من (828) دم الحيض ومن المني، وإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقال إن الجنين لا يغتذي * بدم (829) الحيض لأنه فضلة بعيدة المناسبة عن جوهر أعضائه، فإنه متى تكون منه كان شبيها صالحا لتغديته * ومشاكلا (830) . PageVW1P145B والجواب عن الأول قد عرفت أن مجاري غذاء الجنين هي بعينها مجاري دم الحيض فعند مجيئه في وقته المعتاد لجريانه يكون هذا الغاذي نافذا إليه أيضا لأنه دائم * محتاج (831) إلى التغذية فيخالطه شيء من دم الحيض وينفذ معه إلى كبده فهذا القدر النافذ منه هو فضلة بالنسبة إلى أعضائه، فإذا اغتذى بما صلح له من الدم الفاضل بقي هو فضلة مع ما يفضل من ذلك الدم. أيضا فإنه قد عرف أن الفضلة الغذائية ليست هو فضلة بالنسبة إلى ذاتها بل بالنسبة إلى ما يحتاج إليه الشيء في تغذيته وإن كان النافذ إليه صالحا فاضلا، وذلك لاعتناء طبيعته وطبيعة أمه به فلذلك كان الوارد عليه أكثر مما يحتاج إليه، فهذه الفضلة الطمثية تبقى محتبسة عند أعضائه إلى حين تخرج ويحصل لها أمر محرك يحركها، وحينئذ تدفعها الطبيعة إلى ظاهر البدن وإلى ظاهر كل عضو ظاهرا كان أو PageVW5P239B باطنا، ولذلك * منع (832) الأطباء من استعمال الحوامض والمسهلات عند كمال خروجه. أما الأول فخوفا من سحج وجرد يحصل في سطح المعدة والمعاء ثم يوقع * في (833) مرض مخطر. وأما الثاني فخوفا من جذب المادة المندفعة إلى سطح العضو إلى باطنة، فإن في ذلك مقاومه للطبيعة وممانعه لفعلها، ويحصل مما ذكرنا الجدري وغيره. فإن كان هذا الدفع مقصرا بقي من تلك المادة بقية إلى حين يأتي محرك آخر فيتحرك منه مرة ثانية ويحصل منها ذلك، ولذلك صار بعض الناس يجدر مرتين. والجواب عن الثاني: نقول قوانين الطب أكثرية. ولا شك أن الأغلب من * أمر (834) من المرضعات جريان دم الطمث. وأما التي لم يجر * لها (835) طمث فهي قليلة الوجود والنادر لا * وجود (836) له. أو نقول: قد * عرف (837) أن الدم وباقي الأخلاط على اختلاف المذهبين في تغذيتها لا يقال لها فضلة إلا إذا كان النافذ منه إلى العضو المغتذي به أكثر من حاجته، وذلك إما لعجز قوته عن التصرف فيه وإما لقلة التحلل والمرضعة من هذا القبيل . فإن الدم الواصل إلى * ثديها (838) أكثر من * حاجته (839) إليه لأجل تغذية نفسه، وذلك لحاجة الطبيعة إلى ما يتولد مما فضل من غذائه نفسه جوهر آخر وهو اللبن، ولذلك متى زالت هذه الحاجة بطل توليد اللبن. والجواب عن الثالث: هذا الذي قد اشتهر بين الأطباء وهو أن الجنين متكون من دم الحيض والمني ليس له أصل يرجعون إليه ولا لهم عليه برهان بل كل منهم قد أخذ هذا القدر مسلما عن من هو أقدم منه وأكثر شهوة أخذ الخلف عن السلف حتى صار هذا القدر عندهم من قبيل القضايا التي لا يحتاج في اثباتها إلى برهان، والذي نقوله لهم أن دم الطمث وقت مجيئه إذا اتفق وقوع المني في الرحم في ذلك الوقت * لم (840) يمكن أن يتولد منه جنين البتة ولا يحتوي عليه لأنه في ذلك الوقت مستثمر لدفع ما * يأتيه (841) ، ولذلك أمر الأطباء بأن يكون استعمال الفرزجات المعينة على الحبل أو على غير ذلك من مصلحات أحوال الرحم بعد نقائه من دم الحيض خوفا من أن تندفع قوة تلك الأدوية وإجرامها مع دم PageVW5P240A * الحيض (842) . وأيضا فإن المجاري النافذة فيها تلك المواد منحدرة فيها إلى جهة الرحم انحدارا قويا، وإذا كان كذلك فكيف يصح ما قالوه حتى بنوا عليه تغذية الجنين بذلك الدم لأنه لقائل أن يقول لهم إن ذلك الدم فضلة رديئة فكيف يجوز اغتذاء الجنين به، فيقولون له: الغذاء شبيه بالمغتذي والجنين متكون من هذا الدم فيكون شبيها به فيجوز أن يغتذي به، فإذا بان فساد أصل ما بنوا عليه بان فساد هذا القدر. وإن قالوا إن المني عند وقوعه في الرحم يأتي إليه دم لأجل الزيادة فيه بالنمو ولأن يتولد منه أعضاء دموية، فنقول لهم: هذا الدم لا يقال له طمث بل هو دم فاضل فإن هذه اللفظة وضعت للدم الجاري من المرأة بعد إدراكها في أوقات مخصوصة وعلى هذا لا يقال لما عداه طمث. فإن سموا ذلك الدم * طمثا (843) فيكون خروجا عن الاصطلاح المشهورة بينهم، وكيف يتصور هذا القدر، ونحن نرى الحبل لا يكون إلا في وقت نقاء الرحم من دم الحيض، وكيف يجوز التغذية به على ما قالوه وجريانه دائما في أوقات مخصوصة سواء كان الحبل موجودا أو معدوما. * وإن (844) كان له أوقات مخصوصة فمن المستحيل أنه يبقى محتبسا ويمد الجنين أولا فأولا في التغذية في زمان انقطاعه لحاجته إلى التغذية دائما * ويبقى (845) خاليا من الفساد والخروج عن الصلاحية للتغذية الذي لو لا اعتناء الطبيعة لأجل حاجتها إليه في خروج الجنين والأعفن وفسد وولد أمراضا رديئة كما يتولد عند احتباسه إذا لم يكن حبل. ولو فرضنا أن الأمر على ما قالوه من أن الجنين يغتذي بذلك الدم في وقت الراحة من جريانه للزم منه أن الجنين إذا ولد أن لا يخرج معه دم البتة، وإن خرج فكان قليلا جدا الذهابة إما كله أو معظمه في تغذية الجنين، والوجود بخلاف هذا، فإنا نراه عند خروجه من * الرحم (846) يخرج معه دم متوفر المقدار.

البحث الثالث:

إذا علمنا أن المرأة حبلى ثم ضمر * ثديها (847) بغتة دل ذلك على أن الدم المتصاعد إلى الثدي قد تحرك إلى جهة مقابلة لجهة * الثدي (848) وهو أسفل. وذلك إنما يكون PageVW5P240B إذا تهيأ الجنين للسقوط بسبب من الأسباب، فإذا حصل ذلك مالت الطبيعة بكنهها إلى جهته مع ما يتبعها من الروح والدم إلى دفعه ومقاومته ما يؤذيه فيضمر الثدي لذلك. وقوله «بغتة» وذلك لأن ضمور الثدي تارة يكون بالتدريج وتارة يكون دفعة فالدال على السقوط هو الحاصل دفعة لأن الجنين فيه يعدم الغذاء دفعة فتنحط قواه لذلك دفعة ويتخلى عن المقام والمسك فيهبط إلى أسفل ويخرج تارة ميتا وتارة قريبا من الموت لا سيما متى كان قد عظم. وأما الكائن بالتدريج فإنه لا يدل على ذلك دائما فإنه من الجائز أن يمد الجنين بذلك الغذاء أولا فأولا إلى حين إما أن يزول السبب الموجب لنقصان الدم وإما أن يسقط. وإذا كان كذلك فسقوطه ليس هو معينا * على (849) حصول ذلك الضمور.

البحث الرابع:

قال جالينوس في شرحه لهذا الفصل: ذكر أبقراط في كتابه في طبيعة الطفل ما هذا لفظه أن الغذاء ومادة النشوء التي تنحدر من الرحم إلى الطفل لا * يكفيه (850) إذا جاوز * العشرة (851) أشهر وأمعن في النشوء، وذلك أنه ينجذب إليه من الدم * أعذبه (852) وأحلاه وهو مع ذلك ينال من اللبن اليسير. * فإذا (853) لم يجد منهما إلا ما هو نزر قليل وكان قد شب وقوي * فطلب (854) أكثر ما يجب من الغذاء ارتكض وهتك اغشيته. فبين أن الطفل إن عدم الغذاء قبل هذه العشرة أشهر فإنه يرتكض * وتتهتك (855) أغشيته. فيكون ذلك أول السبب في أن تلد أمه هذا ما * نقله (856) جالينوس عن الإمام أبقراط في الكتاب المذكور. وفيه تصريح بأن الجنين عند كونه في جوف أمه أن يغتذي بما يتولد في ثدي أمه من اللبن. وهذا نقل غريب، فإنه وإن كان القياس يوجبه فإن أعضاء الجنين على نوعين: منوية ودمية، فالمنوية تغذيتها باللبن أسهل من تغذيتها بالدم لأنه أنسب لها PageVW1P146A من الدم غير أنه من أين يأتي الجنين وفي أي مجرى ينفذ وهل نفوذه إلى كبده أو إلى معدته. فإن كان إلى كبده استحال مرة ثاينة دما كما * إذا (857) نراه يحصل له عند الاغتذاء به. وإن كان * إلى (858) PageVW5P241A معدته فهل من فمه أو * من (859) عرق آخر يدخل في سرته. فإن كان الأول فهو محال لأن فم الجنين لم يدخل فيه شيء ولا يتصل به مجرى على ما دل عليه التشريح. وإن كان الثاني * أيضا (860) فهو * محال (861) لأن التشريح قد دل على أنه لم يدخل سرة الجنين سوى مجرى الدم ومجرى النسيم * وتقدير (862) أن ينفذ إليها شيء منه على أي وجه كان فهو إذا صار إليها لا بد وأن ينحدر إلى الكبد على ما هو * عليه (863) خاليا. * فإن (864) قيل إنه ينفذ إليها شيء منه على أي وجه كان فهو إذا صار إليها لا بد وأن ينحدر إلى الكبد على ما هو خاليا. وإن قيل إنه * ينفذ (865) من مسام المعدة إلى جهة الأعضاء فهو أيضا محال على ما شاهد * به (866) أمر الكيلوس فإنه لا ينفذ منه شيء على هذه الصورة. وإن قيل إنه ينفذ من مسامه إلى داخل البدن على سبيل الرشح فنقول: وهذا محال لأن بشرته ملاقيه لعرقه ولرطوبات أخرى الذي يحويه الغشاء الثالث المحيطة به. وأما قوله إذا جاوز العشرة أشهر فهو غلط إما من الناقل الأول وإما من المترجم فإن مدة الحبل الطبيعي لنوع * الإنسان (867) تسعة أشهر فإن حصل تأخر في الولادة عن هذه المدة أو تقدم عنها فهو غلط في الحساب. وأما قوله ارتكض وهتك الأغشية فهذا * هو (868) سبب الولادة الطبيعية وقد عرفته. والله أعلم.

38

[aphorism]

Unknown page