Sharḥ Fuṣūl Abūqurāṭ
شرح فصول أبقراط
(1191) : قد بينا في شرحنا الكليات القانون كيفية حدوث المزاج وشروطه وتقاسيمه، فلنذكر الآن ما يليق ذكره من ذلك بهذا الكتاب. فنقول: المزاج تسعة أصناف: واحد معتدل وثمانيه خارجة عن الاعتدال. والمعتدل على نوعين: حقيقي وإضافي. والحقيقي معناه أن تكون كيفيات العناصر فيه متساوية تساويا حقيقيا لا في أجرامها لأنه لا يلزم من التساوى في الأجرام التساوى في الكيفيات لأن الحرارة أقوى الفاعلين لأن الممتزج الموصوف بذلك المزاج لا بد له من مكان طبيعي لأنه جسم فأي مكان حل فيه كان المستولي عليه كيفية ذلك العنصر الحال في ذلك المحل، وإذا كان كذلك فالموجود من الاعتدال الاعتدال PageVW5P258B الإضافي وهو أن يكون الممتزج قد أعطى في أول الوجود من كميات العناصر وكيفياتها ما هو محتاج إليه. فهذا النوع من الاعتدال * اعتدال (1192) بالنسبة لى النوع الخاص به وإن كان غير معتدل بالنسبة إلى النوع الآخر ومن هذا يعلم أن غير المعتدل المقابل للإضافي غير المعتدل المقابل للاعتدال الحقيقي. وإذا قال الأطباء: معتدل وغير معتدل المراد به الإضافي وما قابله لا النوع الأول وما قابله فإن الطبيب ليس له في ذلك نظر البتة والغير معتدل أربعة مفردة، اثنان منها فاعلة واثنان منفعلة. فالفاعلة * هي (1193) الحرارة والبرودة، والمنفعلة الرطوبة واليبوسة. وسميت تلك فاعلة لأن شأنها الفعل في الغير. أما الحرارة فكالطبخ والحل والعقد والشي والتبخير والتدخين. وأما البرودة فكالتفجج والتغليظ والتجميد والجمع. والاعتدال بين هاتين الكيفيتين يسمى تعادل الفاعلتين. وسميت الثانية منفعلة لأن شأنها الانفعال * من (1194) الغير. فإن اليابس هو الذي يعسر انفعاله، والرطب هو الذي يسهل. والاعتدال بين هاتين يسمى تعادل المنفعلتين. وأربعة مركبة حار رطب وحار يابس وبارد رطب وبادر يابس. ولنا أربعة تراكيب أخر: أحدها تركيب يغلب فيه الحرارة والبرودة معا، وثانيها تركيب يغلب فيه الرطوبة واليبوسة معا، وثالثها تركيب يغلب فيه ثلاث كيفيات، ورابعها تركيب يغلب فيه أربع كيفيات. وهذه التراكيب مستحيلة الوجود. أما الحار * واليابس (1195) والرطب واليابس فنقول: هاتان الكيفيتان إما أن تكونا متعادلتين أو * إحداهما (1196) أقوى. وإن كان الأول فالمنفعلتان إما أن يكونا كذلك أو لا فإن حصل الاعتدال من الجانبين كان المزاج معتدلا وهو قسم بذاته. وإن لم يحصل ذلك كان المزاج مركبا من الكيفيات الغالبة من الجانبين. والاعتدال من الجانب الآخر كان مفردا وهو * قسم (1197) بذاته. وأما الثلاث كيفيات فيستحيل وجودها وهو أنا نفرض ممتزجا يغلب عليه الحرارة والبرودة مثلا PageVW5P259A فنقول: الحرارة والبرودة إما أن تكونا * معتدلتين (1198) أو * إحداهما (1199) أقوى. فإن كان الأول كان المزاج * مفردا (1200) ، وإن كان الثاني كان مركبا مما ذكرنا. وأما الأربع كيفيات فوجودها مستحيل، لأن هذه الأربع إذا كانت غالبة فما المغلوب فإن الغالب مضاف إلى المغلوب وليس لنا كيفيات يتم بها المزاج سوى هذه الأربع فثبت بما ذكرنا أن أنواع المركبات المزاجية أربعة لا غير. وصارت أصناف المزاج الخارج عن الاعتدال ثمانية لأن خروجه عن الاعتدال إما أن يكون في كيفية واحدة وإما أن يكون في كيفيتين. فإن كان الأول فتلك الكيفية إما أن تكون فاعلة أو منفعلة، والفاعلة إما أن تكون أقوى الفاعلين أو أضعفهما. وكذلك المنفعلة فتكون أربعة. وإن كان الثاني فإما أن يكون من أقوى الفاعلين مع أقوى المنفعلين أو مع أضعفهما أو أضعف الفاعلين مع تينك الكيفيتين فكانت أربعة أيضا.
البحث الرابع
(1201) : مزاج الرحم إما أن يكون معتدلا أو خارجا عن الاعتدال. والمراد بالمعتدل هنا المعتدل الإضافي. فإن كان بهذه الصورة كانت المرأة كثيرة الولد، ولم يكن من جهتها مانع. وإن كان مزاجه * خارجا (1202) عن الاعتدال الذمكور فهذا الخروج إما أن يكون قليلا أو كثيرا. فإن كان الأول كان ذلك موجبا لقلة الحبل لا لمنعه، وإن كان الثاني كان ذلك مانعا من الحبل. وقد علمت أن الخارج عن الاعتدال قد يكون مفردا، ويسمى بسيطا وقد يكون مركبا. واقتصر * أبقراط (1203) على ذكر البسائط لأنها متقدمة طبعا * لأن (1204) المركب يعرف حكمه من الحكم البسائط. قوله «متى كان باردا متكاثفا» قدم أولا ذكر الكيفية الفاعلة وابتدأ بالبرودة لأن منافاتها للحياة وللتوليد أشد من منافاة الحرارة لأن الحرارة كيف كانت مناسبة للحياة ولذلك لا يبطل الحس والحركة في حمى الدق المتمكنة كما يبطل ذلك في البرودة المتمكنة المساوية لحرارة الحمى * المذكورة (1205) ، والبرودة تمنع من الحبل من وجود ستة: أحدها من جهة تبريدها للمني؛ وثانيها أن البرد المذكور يتبعه ضعف الجذب أي جذب PageVW5P259B الرحم للمني؛ وثالثها أن البرد المذكور يجمع أجزاء الرحم بعضها إلى بعض فيضيق، وعند ذلك يتعذر على المني الدخول فيه؛ ورابعها أن * البرد (1206) المذكور يغلظ قوام * دم (1207) الطمث، وعند ذلك يتعذر عليه الخروج والبروز دفعة فيكون دائم الرشح إلى الرحم فلا ينقى الرحم البتة، وقد علمت أن الرحم لا يحتوي على النطفة ويمسكها إلا إذا كان نقيا؛ وخامسها أن البرد المذكور يكثف أفواه العروق المسماة بالنقر، وعند ذلك إما أن يعتذر أو يمتنع نفوذ الروح * والدم (1208) منها إلى النطفة الواقعة في محل التوليد، وهذه النطفة إما أن يتكون منها * ولد (1209) أو لا، فإن لم يتكون منها ولد قد تم العرض، وإن تكون منها * ولد (1210) لم يعش البتة، فإنه كيف يتصور بقاء الحيوان بدون الغذاء والروح، وإن وصل إليه شيء من ذلك دون * كيفياته (1211) لا يبقي أيضا؛ وسادسها أن البرد المذكور إذا كثف النقر تعذر على أطراف عروق المشيمة إن تكونت التمسك بها، ومتى لم يحصل ذلك تعذر نفوذ ما ينفذ فيها ويحصل ما ذكرناه. وذكر أبقراط التكاثف لفائدتين: * إحداهما (1212) ليعلم أن مراده هنا بالبرودة القوية لأنك قد عرفت السوء المزاج لا يوجب عدم الحبل إلا إذا كان قويا؛ وثانيتهما ليبين أن المانع من الحبل بالذات هو التكاثف، ثم ذكر الرطوبة في السوء المزاج عقيب البرودة لأنها أقوى المنفعلتين في القبول، وعلل أبقراط منع ذلك من الحبل بما يدل على أنه يريد بالرطوبة ما كانت مع مادة، فإن الساذجة لا تمنع من الحبل لأنه لا يلزمه فساد PageVW1P151B المني بل العلة توجب تعذر الحبل وكثرة الإسقاط لما علمت أن الرطوبة توجب الرخاوة فيضعف إمساك الرحم للمني وللجنين. وشرط في الرطوبة أن تكون جدا أي قوية لأنه قد عرف أن السوء المزاج متى لم يكن مفرطا لم يصلح أن يكون مانعا من الحبل. وترك ذكر هذا الشرط في البارد وهو قوله «جدا» لأنه اكتفى بذكر التكاثف عن ذلك فإن البرد لا يوجب التكاثف المانع من الحبل إلا إذا كان قويا، ثم ذكر الأيبس لأنه أشد منافاة للحياة والتوليد من الحرارة، وشرط PageVW5P260A فيه أن يكون أكثر مما ينبغي لما ذكرناه. وأخر ذكر الحرارة لأنها أقل منافاة للحياة والصحة، ولذلك لم تثبت مع الخروج عن الاعتدال كثبات البرودة، ولذلك لما ذكر أبقراط منع الحرارة من الحبل شرط فيه أن تكون محرقة أي قوية جدا لأنه متى لم تكن كذلك كانت معينة على الحبل بجذب المني.
البحث الخامس
(1213) : الرحم وإن لم يكن مولدا ولا مادة للتوليد غير أنه محل * التوليد (1214) والمحل له تأثير فيما يحل فيه ويدل على صحته انتقال النباتات من نوع إلى نوع بحلولها في أراضي مختلفة كما ذكره جالينوس في اللبخ فإنه كان أولا في بلد فارس * غذاء (1215) ، ثم لما نقل إلى الديار المصرية صار غذاء مألوفا حلوا * طيبا (1216) . وكذلك قوله في الحمير وكما ذكره الشيخ في حيوان الشفاء أن الكرنب يصير قنبيطا بنقله من أرض إلى أرض. وأما الانتقال في الأصناف فكثير جدا فإنا نعرف أراضي ببلاد الشام إذا ازرع فيها الحمص وكان أبيض جيدا كبيرا لجرم انتقل إلى الحمرة والصغر وبالعكس وكذلك الحنطة. وأما الرمان الحامض فإنه إذا نقل إلى الديار المصرية صار حلوا * لكن (1217) القدر على ما قيل ليس هو في كل المواضع منها فالمحل لما كان له هذا التأثير ذكر أبقراط إحكام الرحم في الحبل وعدمه وترك ذكر المتعلق بالمادة لأن معرفة ذلك عسرة جدا فترك الأعسر وذكر الأسهل.
البحث السادس
(1218) : لقائل أن يقول هاهنا أسؤلة أربعة: أحدها أن يقال: لم جمع أبقراط بين اليابس الحار في حكم واحد ولم لا جمع بين البارد والرطب في حكم واحد فإنه قال: متى كان رحم المرأة باردا متكاثفا لم تحبل، ومتى كان أيضا رطبا جدا لم تحبل، وأما في أمر اليابس والحار فإنه قال: ومتى كان أخف مما ينبغي أو كان حارا محرقا لم تحبل فجمع بين اليابس والحار في الحكم ولم يقل مثل ذلك في البارد والرطب؛ وثانيها: لم قال في المعتدلة * الرحم (1219) كثيرة الولد وكان ينبغي له أن * يقول (1220) كثيرة الحبل ليكون ذلك مقارنا لحكم التي رحمها * خارج (1221) عن الاعتدال فإنه قال: لم تحبل؛ وثالثها: لم قال معتدلا بين الحالتين مع أن الأمزجة المذكورة المانعة * للحبل (1222) أربعة وعلى هذا كان ينبغي له أن يقول معتدلا بين ذلك أو بين الكيفيات الأربع؛ PageVW5P260B ورابعها: لم لا ذكر المانع من * الحبل (1223) من جهة الرجل بل ذكر الكائن من جهة المرأة فقط. والجواب عن الأول نقول إن علة منع البارد من * الحبل (1224) غير * علة (1225) منع الرطب له على ما عرفت. وأما الحار * واليابس (1226) فالعلة فيهما واحدة وهي أن المني يعدم الغذاء فيفسد لكن علة منع الغذاء فيهما مختلفة فإنها في اليابس الجفاف وفي الحار الإحراق ويترتب على * هذا (1227) جفاف المني أيضا وعند ذلك يزول * عن (1228) الاستعداد الذي به * يقبل (1229) الصورة الإنسانية فإن قبوله لذلك بقوام مخصوص ومزاج * مخصوص (1230) . والجواب عن الثاني أن ذكر كثرة * التوليد (1231) في اعتدال مزاج الرحم أولى من ذكر كثرة الحبل لأنك قد عرفت أن السوء * المزاج (1232) المانع من الحبل متى كان يسيرا فإنه لا يمنع بل تكون المرأة التي يكون حالها كذلك كثيرة الحبل لكن تكون كثيرة السقوط بخلاف ما إذا كان مزاج رحمها معتدلا فإنها تكون كثيرة الحبل والولد أيضا فكثرة الحبل لا تدل على كثرة الولد * وكثرة (1233) الولد تدل على كثرة * الحبل (1234) . ولما كان حال كثرة الولد كذلك ذكره مع الاعتدال ولم يذكر كثرة الحبل. والجواب عن الثالث: مراده بالحالتين الاعتدال بين المتضادين، ولا شك أن ذلك اسم للحاصل بين الحرارة والبرودة وللحاصل بين الرطوبة واليبوسة. والحق في هذا أن المعتبر في ذلك الاعتدال * الحاصل (1235) بين الحرارة والبرودة لأنهما كيفيتان * فاعلة (1236) وتلك منفعلة. والجواب عن الرابع: أما جالينوس فإنه ذكر فيه وجوه ثلاثة: أحدها أن يقال كلامه في الفصل الماضية في النساء ثم لما أراد أن يذكر موانع الحبل ذكر من ذلك ما كان خاصا بالنساء ليكون كلامه متصلا ومناسبا لما تقدم؛ وثانيها أن يقال إنما ترك ذكر المتعلق بذلك من جهة الرجل اتكالا منه أن يقاس ذلك على ما ذكره من أحوال النساء في المزاج الخالج عن الاعتدال المانع من الحبل؛ وثالثها أن يقال إنه أخر ذلك اتكالا منه على أن يذكره بعد ثم نسيه. وقال غيره إن غالب الحال إن منع الحبل من جهة الرحم لأنه المحل * والحاصل (1237) للمني وقلما يكون ذلك من جهة الرجل. والحق عندي في ذلك ما ذكره جالينوس في الوجه PageVW5P261A الثاني، فإن المني إذا كان أبرد مما ينبغي كحال الرحم كان عادم النضج المستقصى، وعند ذلك لا يكون منجبا. وكذلك متى كان مفرط الرطوبة فإنه يكون فجا سيالا * لا (1238) يصلح لقبول الصورة اللإنسانية. ومتى كان مفرط اليبوسة كان جافا غليظ * القوام (1239) لا يسهل عليه الامتداد في جوانب الرحم وقبول صورة الأعضاء. وكذلك متى كان حارا محرقا كالشيء الذي يحترق غير أن خروج المني إلى أحد الأمزجة المذكورة متى كان خروجا يسيرا أو صادف من الرحم مزاجا * مضادا (1240) له ربما أنجب. وإن لم يصادف ذلك لم ينجب. والله أعلم.
63
[aphorism]
قال أبقراط: اللبن لأصحاب الصداع رديء وهو * أيضا (1241) للمحمومين * رديء (1242) ولمن كانت المواضع التي دون الشراسيف منه مشرفة وفيها قراقر ولمن به عطش ولمن الغالب على برازه المرار الأصفر ولمن هو في حمى حادة ولمن اختلف دما * كثيرا (1243) ، وينفع * أصحاب (1244) السل إذا لم تكن بهم حمى شديدة جدا ولأصحاب الحمى الطويلة الضعيفة إذا لم يكن معها شيء مما تقدمنا بوصفه وكانت أبدانهم تذوب على غير ما توجبه العلة.
Unknown page