353

[commentary]

الشرح:هاهنا مباحث ثلاثة.

البحث الاول

في الصلة: وهو * أن (1246) أبقراط لما انتهى كلامه في الفصل الماضي في كثرة الولد عند كون الرحم معتدل المزاج وكان اللبن من لوازم الولادة * وآخر (1247) الحبل، ذكر في هذا الفصل شيئا من إحكام اللبن ومع ذلك لم يخصص كلامه بلبن * المرأة (1248) بل جعله عاما * للبدن (1249) وابتدأ بذكر مضاره وأخر ذكر منافعه ليكون كلامه فيه مناسبا لما ذكره في الفصل الماضي من أمر المزاج فإنه ابتدأ بتأثير سوء المزاج في الرحم ثم ختم كلامه فيه بتأثير المعتدل منه. وكذا عمل في هذا الفصل فإنه ابتدأ بذكر مضار اللبن للمناسبة لسوء المزاج ثم ذكر منافعه المناسبة للمعتدل منه .

البحث الثاني

في كيفية مضار اللبن: أما مضرته بصاحب الصداع فاعلم أولا أن PageVW1P152A * اللبن (1250) من جواهر ثلاثة: زبدية وجبنية ومائية. ولما كان حاله كذلك كان قابلا للاستحالة إلى جانب الحرارة والبرودة. وهذا القدر يختلف فيه بحسب غلبة الأجزاء المذكورة فيه. PageVW5P261B ولذلك لما كان لبن الضأن الأجزاء الزبدية فيه أكثر * كانت (1251) استحالته في الأكثر إلى جانب * الحرارة (1252) . ولبن البقر لما كان الأجزاء الجبنية فيه أكثر * كانت (1253) استحالته في الأكثر إلى جانب * البرودة (1254) . ولبن المعز لما كان معتدلا بين ذلك كان معتدلا في ذلك ويعين اللبن على ذلك لطف قوامه ورقة جرمه. ولأجل هذا قال جالينوس في شرحه لهذا الفصل: اللبن من الأشياء التي يسرع إليها الإستحالة واستحالته تكون على وجهين. وذلك أنه إن صادف حرارة في البدن أكثر مما ينبغي استحال إلى الدخانية سريعا، وإن صادف حرارة في البدن أقل مما ينبغي حمض سريعا، ويمكن أن يعرف هذا بالحس وهو أنه إذا طبخ ساعة ما يحلب بالنار طبخا مفرطا استحال إلى الدخانية، وإذا جعل في موضع بارد حمض لا محالة. وكذا حاله في البدن فإنه متى صادف إحدى هاتين الكيفيتين أقوى من الأخرى استحال إليها، وإن صادف اعتدالا بينهما استحال إلى الدموية وغذاء البدن غذاء صالحا غير أنه مع كونه كذلك فإنه يولد صداعا سواء استحال إلى الحموضة أو إلى * الدخانية (1255) أو إلى الدموية لكن متى كان * استحال (1256) إلى الدخانية كان ذلك منه أكثر، * وإن (1257) كان يولد في الأصحاء ذلك فإضراره بصاحب الصداع ظاهر لا سيما متى كان سببه مواد حادة أو سوء مزاج حاد ساذج فإنذه يستحيل إلى المادة الموجبة له أو إلى سوء المزاج الفاعل لذلك أيضا. وأما ضرره بالمحمومين فذلك ظاهر لاستحالته * فيهم (1258) إلى المرار والدخانية. قوله «ولم كانت المواضع التي فيما دون الشراسيف منه مشرفة» أي عالية، وقال «مشرفة» ولم يقل «منتفخة» أو «فيها نفخة» لأن الإشراف أعم من ذلك فإنه قد يكون لورم وقد يكون لرياح، ومراده بالشراسيف أطراف الأضلاع، والورم الحاصل في هذه المواضع قد يكون في الكبد وقد يكون في الطحال وقد يكون في فم المعدة، واللبن ضار لهذه جميعها سواء كان ذلك الورم حارا PageVW5P262A أو باردا. وأما إن كان سبب الإشراف رياحا فإضرار اللبن بصاحبه ظاهر من جهة توليده لها. والفرق بين الريح والنفخة أن الريح متحركة والنفخة ساكنة، وسبب هذا غلظ المادة ولطفها وقوة القوة وضعفها. قوله «وفيها قراقر»: الواو هنا بمعنى «أو»، وتقدير الكلام «أو فيها». وأما إضراره بصاحب العطش فاعلم أن العطش على ما عرفت على نوعين: ذاتي وعرضي. واللبن ضار بصاحبهما جميعا لأنه زائد في سببهما. أما الداتي فلاستحالته إلى الدخانية بسبب ما فيه من الأجزاء الزبدية ولطافة قوامه. وأما العرضي فلاستحالته إلى الحموضة والبرودة بسبب ما فيه من الأجزاء الخبيثة الغليظة وللطف قوامه. قوله «ولمن الغالب عله برازه المرار الأصفر»: وذلك لاستحالته إلى المادة المرارية في المحرورين. فإن قيل: لم قال «ولمن الغالب على برازه المرار» ولم لا قال «على بدنه المرار»، فنقول: إنما قال ذلك لوجهين. أحدهما أن استحالته إلى المرار إنما هي في المعدة والمعاء، وذلك لما يخالطه من ذلك عند مصادفته إياه في الانصباب إلى العضوين المذكورين. أما إذا أنفذ إلى الكبد وهو خال من ذلك فإنه يستحيل فيها إلى دم صالح وينفذ إلى جهة الأعضاء ويغذيها غذاء صالحا. فإذا كان شخص مراري البدن لكن المجرى الواصل من الكبد إلى * المرارة (1259) أو من المرارة إلى المعدة والمعاء ضيق فإنه عند ذلك لم ينفذ من الصفراء إلى المعدة والمعاء ما له مقدار فتكون معدة هذا الشخص وأمعاؤه معدلتين، عند ذلك يكون هذا الشخص اللبن من أنفع الأشياء له لأن الدم المتكون عنه يكون رطبا فيتدارك مضرة المرة الغالبة عله البدن. فإن قيل: فلم لا يقال إن اللبن يستحيل في كبد هذا الشخس كما استحال في معدته، فنقول: ليس حكم الصفراء في معدة هذا الشخص كحكمها في كبده فإنها عند كونها في معدته تكون خالصة من * الممانع (1260) والممازج لها الكاسر من تأثيرها وفعلها بخلاف حالها في الكبد فإنه يخالطها المواد الأخر وهي كاسرة لها ومضعفة لفعلها. فإن كانت كثيرة PageVW5P262B جدا بحيث أن تكون أكثر من الخلط الذي هو أكثر منها في البدن، فنقول: هذا الحكم يكون مندرجا في قوله «ولمن به عطش» لأنك قد عرفت أن مضرة البدن * باللبن (1261) بمن به عطش يصح في الذاتي والعرضي، ومن يكون كبده كذلك يكون داخلا فيمن به عطش ذاتي. وثانيهما أن من الناس من يكون حراره لطيفا فيكون المتصاعد والنافذ في * العروق (1262) من هذا المرار أكثر من المنصب إلى معدته وأمعائه. ومثل هذا تكون معتدلة فينهضم اللبن فيها هضما جيدا ثم إنه ينفد إلى كبده ثم إلى عروقه فيعتدل قوام تلك المرة وتنكسر عاديتها وينصلح مزاجها، وحينئذ يكون اللبن من أنفع الأشياء له ومن الناس من يكون مراره غليظا فيكون النافذ منه إلى جهة معدته وأمعائه أكثر من المتصاعد إلى عروقه. فإن من شأن اللطيف الصعود والغليظ الهبوط فتكون معدة هذا الشخص محيلة له إلى المرار ويكون اللبن من أضر الأشياء له. ولما كان احال كذلك، قال * «ولمن (1263) الغالب على برازه المرار» ولم يقل * «ولمن (1264) الغالب على بدنه المرار». قوله «ولمن به حمى حادة» أي وهو أيضا ضار لمن به حمى لاستحالته حينئذ إلى الدخانية والمرار وزيادته في مادة الحمى لكن لقائل أن يقول: هذا * مندرج (1265) في قوله «وهو أيضا للمحمومين رديء» فإن من به حمى حادة يصح أن يقال له محموم وإذا كان كذلك فيكون ذكره الحمى الحادة هنا تكرارا، فنقول الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أن قوله «المحموم» أعم من قوله «من به حمى حادة» فإن الأول يندرج فيه حمى يوم وغيرها والثاني خاص بالحمى الحاصلة عن حمى حادة * أي (1266) * عن (1267) مادة حادة، وإذا كان كذلك فيكون حكمه في الأول عاما والثاني خاص والعام غير الخاص لأن الخاص فيه العام وزيادة؛ وثانيهما أن قوله الأول ضار للمحمومين حال كونهم محمومين أي إذا استعملوه في هذا الوقت فإنه يضرهم، وضرره بهم * ظاهر (1268) وهو استحالته إلى ما ذكرنا. وقوله «ولمن به حمى حادة»: ومراده أن اللبن ضار لصاحب هذه الحمى، وإن لم يأخذه في وقت * حماه (1269) بل في وقت راحته، وذلك لغلبة المرار عليه. قوله «ولمن اختلف دما كثيرا» ضرر PageVW5P263A اللبن بمن حصل له هذه الحالة ظاهر من وجهين: أحدهما استحالته إلى المرار والدخانية، وذلك مما يزيد في الإسهال؛ وثانيهما أن أعضاء من به الحالة المذكورة وكبده وقواه ضعيفة لكن أعضاءه خالية من الغذاء * فيشتد (1270) جذبها له * لتوقع (1271) منه توليد دم كثير سريعا، وذلك مما يوجد السدد في مجاري الكبد. وأيضأ فإنه يزيد في الإسهال لما بينا في قوله «من انفجر منه دم كثير من أي موضع كان انفجاره منه الفصل».

البحث الثالث

في بيان نفع اللبن من العلل التي ذكرها: أما السل والمراد به قرحة الرئة فلأنك قد عرفت أن اللبن مركب من جواهر ثلاثة: مائي وجبني وزبدي. فالمائي يجلو ما فيها من الوسخ والوصل المانع من إلحامها كل هذا بما فيه من الحرافة والبورقية. والجبني * يسد (1272) تجاويفها ويملأها ويمنع تأثير المرار فيها ويصير حائلا بين القرحة والخلط الرديء. والزبدي يرطب البدن ويزيل تجفيف الحمى له. ومع ذلك فإن المسلول يحتاج إلى ما يغذي بدنه PageVW1P152B تغذية متوفرة ويرطب مزاجه ويزيل تجفيف الحمى * له (1273) ، وكل هذا حاصل في اللبن الحليب، وينبغي أن يكون استعماله عند حلبه. وإن أمكن أن يكون ذلك من الضرع فهو أجود غير أن نفع اللبن الحليب له يختلف بالأكثر والأقل. فأنفعه لبن النساء لأنه أعدل الألبان لأنه مأخوذ من نوع أعدل أنواع الحيوان ولأنه غذاء * مناسب (1274) له لكن هذا كله بشروط وهي أن تكون المرأة المأخوذ منها اللبن معتدلة السخنة لا لحمية ولا شحمية ولا مهزولة وأن تكون فتية السن واسعة الصدر عظيمة الثديننز لونها أبيض مشرب بحمرة وولدها ذكر * وليست (1275) قريبة العهد بالولادة ولا بعيدته مغذية * بأغذية (1276) صالحة ملازمة للحمام ويكون استعماله له من الضرع ويترك استعماله في وقت جريان حيضها وفي وقت غضبها وتخمتها وأعيائها من حركة مفرطة ويوم فصدها وجماعها وعند توقف طبعها وعند جوعها وقيئها وانتباهها من النوم ويجب أن يحلب الثدي عند * مصه (1277) سبع حلبات ليخرج ما كان محتبسا منه في حلمة الثدي لفساده لقربه من PageVW5P263B البرد الخارجي وبعده عن الحار الغريزي. وبعد لبن النساء لبن الأتان بشرط أن تكون فتية السن خصبة البدن مغتذية بحشايش جيدة لأن لبن الأتان سريع الجمود، فإذا وصل إلى القرحة جمد عندها وأحال بينها وبين المواد المنصبة إليها. ثم بعد ذلك لبن المعز لكثرة مائيته لكن بالشرط المذكور هذا جميعه إذا لم يكن بمن به ذلك حمى شديدة فإنه متى كان به ذلك كان * ضرر (1278) اللبن المذكور له أكثر من نفعه لأنه يقوي الحمى ويزيد في مادة القرحة وعند ذلك تشتغل الطبيعة بمقاومة ما وجبه عن تدبير القرحة والرئة أسفنجية قابلة للتأكل دائمة الحركة فيتمكن السبب من التأثير فيها وعند ذلك تتضاعف الثلاثة. ولم يكتف بقوله «شديدة» حتى قال «جدا» لأنه متى كانت موجودة لم تمتنع من استعمال اللبن وعند كونها كذلك الواجب ترك استعماله ويتعوض عنه بماء الشعير المزر. وقوله «أصحاب الحمى الطويلة الضعيفة»: المراد بها حمى الدق فإن حمى يوم لا يصدق عليها أنها طويلة المدة وإن كانت ضعيفة والخلطية قد ذكر أن اللبن ضار * بها (1279) وسماها باسم لازمها وهو الطول والضعف أي عند الحس ليشير إلى الإنتفاع باستعمال اللبن فيها وعدم التضرر له. أما الأول فلأن الحمى الطويلة تجفف البدن واللبن يرطبه ويغذيه بسرعة. وأما الثاني فلأن الحمى الضعيفة لا تقوى على إحالة اللبن صفراء كما تقوى عليه القوية. قوله «إذا لم يكن معها شيء مما تقدمنا بوصفه» أي لا يكون معها صداع ولا علو ما دون الشرأسيف ولا عطش ولا الغالب على برازه المرار ولا يكون * به (1280) حمى حادة أي عفنة ولا إسهال دم. قوله «وكانت أبدانهم تذوب على غير ما توجبه العلة»: أقول: الغرض من هذا الكلام زيادة تأكيد في منفعة اللبن وزيادة تعريف لحمي الدق. أما الأول فلأن اللبن يغذو سريعا للطافة قوامه وكثيرا لأن فيه جوهرين غاذيين وهما الجبني والزبندي ومع ذلك فكله مرطب للبدن فهو بهذا جميعه يتدارك الذوبان الحاصل من الحمى. وأما الثاني فإن الذوبان الذي يكون أكثر PageVW5P264A مما توجبه العلة في الحس الظاهر لا يكون إلا في الدق فإن حمى سونوخس أقوى منها في الظاهر ومع ذلك لا يكون فيها ذوبان * كما (1281) في الدق، وذلك لأن الحرارة في هذه الحمى قد داخلت جوهر الأعضاء حتى صارت * كأنها (1282) أصلية لها فهي قوية في نفسها، وإلا ما قدرت على ذلك وضعيفة عند الحس لأنها كامنة كالحرارة * الأصلية (1283) في النورة لكن يجب أن تعلم أن الحاجة إلى استعمال اللبن الحليب في * القرحة (1284) أشد من الحاجة إليه في * حمى (1285) الدق، وذلك لأن الداعي إليه في قرحة الرئة سببان القرحة والحمى اللازمة وفي الدق وجه واحد فقط. والله أعلم.

64

[aphorism]

Unknown page