354

قال أبقراط: من حدثت به قرحة فأصابه بسببها انتفاخ فليس يكاد يصيبه تشنج ولا جنون، فإن غاب ذلك الانتفاخ * دفعة (1286) ثم كانت القرحة من خلف عرض له تشنج أو تمدد، وإن كانت من قدام عرض له جنون أو * وجع (1287) حاد في الجنب أو تقيح أو اختلاف دم إن كان ذلك الانتفاخ * مائلا (1288) إلى الحمرة.

[commentary]

الشرح هاهنا مباحث ستة.

البحث الاول

في الصلة: وذلك من وجوه ثلاثة: أحدها أنه لما ذكر ضرر اللبن الحليب بمن به إشراف فيما دون الشراسيف والانتفاخ قريب من الإشراف فناسب ذكره بعد ذكر الأول؛ وثانيها أن مراده بالانتفاخ هاهنا انتفاخ ما دون الشراسيف وما كان قريبا منه وكان في الفصل الماضي قد تقدم منه ذكر ضرر هذه المواضع فناسب ذكر هذا بعد الأول؛ وثالثها أن الأول يتضمن ذكر نفع اللبن الحليب لمن به * سل (1290) فذكر في هذا الفصل حكما من أحكام القروح.

البحث الثاني:

أما جالينوس فإنه فهم من الانتفاخ الورم. وبه قال ابن أبي صادق: وهذا بعيد لأن المادة المنصبة إلى العضو إذا أخذت في التوريم تكون قد استقرت في العضو وعند استقرارها إذا غاب سببها إلى داخل دفعة وأوجب ما أوجبه القدر المستقر من المادة في العضو يستحيل عوده مع غور ما غار لأنه قد استحدث له قرحا، وعلى * هذا (1291) لم يصح كلام أبقراط فإنه قال * «فإن (1292) غاب ذلك النتفاخ بغته». وقال علاء الدين ابن النفيس: مراده بالقرحة ما من شأنه أن يصير قرحة. قال: PageVW5P264B فإن الشيء قد يسمى باسم ما يؤول إليه كما يسمى الجنين بالطفل. وهذا التأويل خروج عن اصطلاح الأطباء وعما يقتضيه كلام أبقراط. أما الأول فإن لفظة القرحة تطلق على الورم إذا قاح وانفجر. وأما قبل أن * يتفيح (1293) وينفجر فإنه لا يسمى قرحة بل ورما. وأما الثاني فإن أبقراط قال «ثم إذا غاب ذلك الانتفاخ بغتة ثم كانت القرحة من خلف عرض له كذا وكذا» فقد ذكر أن الانتفاخ يزول مع بقاء القرحة، فلو أراد بقوله «القرحة» ما من شأنه أن يصير قرحة * لكان (1294) إذا غاب الانتفاخ غاب ما يسمى بالقرحة ويبرئ بالكلية. وكلام أبقراط لم يعط ذلك بل الذي يعطيه أن الانتفاخ إذا غاب بقيت القرحة. والحق عندي في هذا أن مراده بالقرحة ما حصل معها انصباب مادة مزمعة بأن تحدث ورما ثم غاب ذلك الانتفاخ * فبغيبته (1295) ترجع المادة الموجبة له إلى جهة الباطن وتوجب ما ذكره. وذلك لأن القروح تنقسم إلى بسيطة ومركبة، والأول ما لم يكن معه أمر آخر والثاني ما كان معه، وذلك إما سبب كمادة تنصب إلى الموضع الضعيف وإما مرض إما مزاجي * كحرارة (1296) أو برودة أو رطوبة أو يبوسة وإما آلي كلحم زائد ينبت في القرحة وإما * تفريقي (1297) كانبثاق عرق وإما عرض كألم قوي. فالحاصل مما ذكرنا أن مراده بالقرحة القرحة المركبة مع السبب على الخصوص. فإن مثل هذه القرحة يحصل معها انتفاخ عند ميل المادة إليها * وانصبابها (1298) إلى جهتها. فإذا مالت المادة PageVW1P153A إلى جهة الباطن غاب ذلك الانتفاخ ولم يبق له أثر بخلاف ما إذا فهمنا من الانتفاخ ما فهمه جالينوس، فإنه لا بد وأن للانتفاخ أثر محسوس عند ميل المادة إلى الباطن وبخلاف ما إذا فهمنا من ذلك ما فهمه علاء الدين ابن النفيس فإنه إذا غاب الانتفاخ بقيت القرحة على حالها من غير أن تتغير البتة.

البحث الثالث:

قوله «فأصابه بسببهما انتفاخ فليس يكاد يصيبه تشنج ولا جنون» ذكر ما يحصل من سلامة البدن من الضرر بسبب * ظهور (1299) الانتفاخ فإن ظهور والورم يدل على انتفاخ المادة الرديئة إلى ظاهر البدن، ولا شك أن الباطن أشرف من الظاهر ومن المعلوم أن المادة متى اندفعت من الأشرف إلى الأخس لم يعقب ذلك الدفع سوء البتة، PageVW5P265A وعند ذلك يسلم صاحبه مما ذكره وهو الجنون والتشنج لأنه متى كان من قدام خلص البدن من ورم في بعض الأعضاء الشريفة كالحجاب القاسم والمستبطن الذي لا بد من اختلاط الذهن معه المعبر عنه بالجنون ومتى كان من * خلف (1300) البدن من التمدد * والتشنج (1301) الامتلائين لأن الأعصاب في مؤخر * البدن (1302) كثيرة وهي النابتة في النخاع. قال جالينوس ذلك أي * بمعنى (1303) أنه يصيبه ذلك في الندرة وهذا التأويل من جالينوس حق فإنه يحتمل أن يكون الأمر كذلك وهو عند كون المادة كثيرة بحيث أنها تعم الباطن * والظاهر (1304) لكن هذا نادر الوجود والأكثري هو الأول وقوانين الطب أكثرية.

البحث الرابع:

Unknown page