360

النافض من الحركات الغير طبيعية المبتدئ فيه القوى النفسانية والمتمم له القوى * الطبيعية (1370) . ولنبسط القول في هذا المقام فنقول: الحركات الغير طبيعية منها ما هي منسوبة إلى الطبيعة ومنها ما هي منسوبة إلى المرض ومنها ما هي منسوبة إلى الطبيعة والمرض معا. والمنسوبة إلى الطبيعة منها ما هي منسوبة إلى القوى الطبيعية ومنها ما هي منسوبة إلى القوتين جميعا. وهذه منها ما يتبدئ فيه بالفعل القوى النفسانية والمتمم في الحركة القوى الطبيعية ومنها ما هو على العكس. والمنسوب إلى القوى الطبيعية كحركة الجشاء والقيء والتهوع والفواق فإن القوة الدافعة تتشمر لدفع مادة هذه جميعها من المعدة. والمنسوب إلى القوى النفسانية كحركة التثاوب والتمطي والعطاس فإن سبب هذا جميعه حركة القوى المذكورة لدفع المؤذي. أما التثاوب فسببه أبخرة ترتقي إلى عضل الفكين، وأما التمطي فسببه أبخرة ترتقي إلى عضلات باقي الأعضاء، والعطاس دفع الدماغ لما يصل إليه من أذى المؤذي بالقوة المحركة المنبعثة منه. والمنسوب إلى القوتين جميعا كحركة النافض والسعال والمبتدئ فيه القوه النفسانية والمتمم له القوى الطبيعية النافض فإن المواد المؤذية عندما تروم الانصباب إلى مستوقد العفونة إذا مرت بعضو حساس لذعته وأنكته وعند ذلك يتشمر لدفعها غير أنه يعجز عن دفعها لما ناله من أذى اللذع فيستعين بما فيه من القوة الدافعة على دفع ذلك المؤذي ودفع أذيته عنه فيظهر ويقوى ولذلك صار أول ما يتبدئ فيه القشعريرة فإنها حركة ضعيفة PageVW5P271B لأنها حاصلة أولا من * القوى (1371) النفسانية ثم إذا قوي المؤذي وتمكن أديته استعانت بالدافعة * فظهرت (1372) الحركة وهي النافض والذي هو على العكس مثل السعال فإن المبتدئ فيه بالحركة القوة الدافعة عند إنضاج الهاضمة للمادة الموجبة له غير أنها تعجز عن دفعها فتستعين بالقوة المحركة النفسانية الحاصلة في الأعضاء والعضلات المحركة للصدر. والمنسوب إلى المرض كحركة الاختلاج والتشنج. أما الاختلاج فإن الموجب له تموج الرياح تحت الجلد وحركتها، وأما التشنج فقد عرفت أنه امتلائي واستفراغي وحادث عن كيفية سمية وفي الكل يحصل الحركة عن المرض، وأما الامتلائي فإن المادة إذا مالت إلى الأعضاء المذكورة ملئت خللها وداخلتها وعند ذلك تتمدد وتتحرك، وأما الاستفراغي فإن المحلل إذا حلل ما في الأعضاء * المذكورة (1373) من المواد المالئة لها اجتمعت إلى ذاتها وتقلصت، وأما السمي فإن الكيفية السمية إذا وصلت إلى الأعضاء المذكورة تشمرت لدفعها وبعدها عنها وعند ذلك تتحرك. وأما المنسوب إلى الطبيعة والمرض معا فكالرعشة فإن في الرعشة تتحرك الطبيعة وتروم شيل العضو ودفعه إلى فرق ثم إن المرض يروم حظه وتسفله إلى أسفل فيحصل ما بين ذلك حركة صاعدة وهابطة ولا للرعشة إلا ذلك.

البحث الثالث:

قوله «النافض أكثر ما يتبدئ في النساء من أسفل الصلب ثم يتراقى في الظهر إلى الرأس» نقول: قد * عرف (1374) أن ابتداء النافض أبدا من خلف لأنه أبرد، وذلك لأن فقرات الظهر هناك والنخاع سالك فيها وهو قليل اللحم والأعصاب فيه كثيرة لأنها نابتة من جنبيه، وهذه كلها تدل على أنه أبرد من القدام فيكون أقبل للبرد من مقدم البدن فإن الاستحالة في الجنس القريب أسهل منها في البعيد فتسرع إليه القشعريرة لذلك ويلزم من توفر برده شدة * تكاثفه (1375) ويلزم من ذلك شدة حبسه للمادة المتحركة الموجبة للنافض غير أنه * إنما (1376) ابتداء بالنساء من أسفل الصلب ثم تراقى إلى فوق لأن أسفل الصلب من النساء قد حصل فيه مبرد آخر موجب لقوة التكاثف وهو الرحم الموضوع هناك، وقد عرف بالتشنج أنه عصبي والعضو العصبي بارد على ما عرفت ثم يتراقى في الظهر PageVW5P272A إلى الرأس ثم يزول لأن البرد يقل ويتناقص كلما قرب من الرأس، وذلك لأن ما قرب من الرأس متخلخل المسام لقربه من القلب فإنه على محاذاته فلذلك كان ابتداء ظهوره وقوته في النساء من أسفل الصلب.

البحث الرابع:

قوله «وهو أيضا يتبدئ في الرجال من خلف أكثر مما يتبدئ من قدام» أقول: والنافض أيضا في الرجال يتبدئ من خلف لأنه أبرد على ما عرفت فيكون الحال على ما ذكرنا. وقوله في الأكثر لأن في المحتمل أن يكون المعدة بلغم متوفر والمعدة باردة فيكون ابتداء النافض في مثل هذا الشخص من قدام لاستعداده لكن هذا الحكم نادر الوجود وأحكام الطب أكثرية. فإن قيل: فلم لا ذكر في حصول النافض للرجال ما ذكره في حصوله للنساء وهو أكثر ابتدائه من الصلب، قلنا: خلف الرجل لا يختلف في قوة برده وضعفه حتى يكون بعضه أبرد من البعض كما في النساء بسبب الرحم حتى يكون الأبرد منه أشد استعدادا للنافض من الآخر وقدم ذكر النساء في أمر النافض لأنهن أبرد خراجا من الرجال على ما * عرفت (1377) وحينئذ يكون كلامه مناسبا لما ابتدأ به في الفصل الماضي فإنه ابتدأ بذكر مؤخر الرأس ثم ختمه بذكر مقدمه ومؤخره أبرد من مقدمه على ما عرفت.

البحث الخامس:

الذي لاح لنا من كلام أبقراط أن النافض يتبدئ بالنساء والرجال من خلف في الأكثر غير أن بهذه الأكثرية أولى ولذلك ابتداء في الحكم المذكور أولا بالنساء. وإنما قلنا إن النساء بهذه الأكثرية أولى لوجهين: * أحدهما (1378) لفضل بردهن على الرجال، * وثالنيهما (1379) لأن أرحامهن موضوعة هناك وهي عصبية الجوهر بارد المزاج. فإن قيل: هذا الحكم فيه نظر وهو أن أولية ابتداء حدوث النافض بالنساء من خلف ينبغي أن يكون فيما سببه مادة باردة وأما ما كان سببه مادة حادة فابتداء انفعال إصلاب الرجال به أولى من ابتداء إصلاب النساء، وذلك لوجهين: أحدهما لاستعدادهم لذلك لحرارة أمزجتهم فإن الإستحالة في الجنس القريب أسهل منها في البعيد، وثانيهما لقوة حسهم فإن القوى الحس انفعاله من الحار أشد وأبلغ منه من البارد، وإذا كان الحال PageVW5P272B كذلك فلا يصح الحكم على الإطلاق بأن النساء هن أولى بأكثرية النافض من خلف من الرجال، قلنا: الجواب عن هذا أن النافض كيف كان لا بد فيه من البرد إما ذاتي كالحادث عن البلغم وإما عرضي كالحادث عن الصفراء الهرب الحرارة الغريزية منه عند مفاجاتها للأعضاء، وإذا كان لا بد من البرد فيكون إصلاب النساء أولى بالابتداء * به (1380) من إصلاب الرجال لشدة استعدادهن لما ذكرنا * من (1381) الاستحالة في الجنس القريب أولى منه بالبعيد.

البحث السادس:

قوله «مثل ما تبتدئ في الساعدين والفخذين» أقول: إنما كان ابتداء النافض من مؤخر الساعدين والفخذين أكثر من ابتدائيه من مؤخر الصدر لأنهما أبرد لبعدهما عن القلب وقلة * محاماة (1382) الطبيعة عنها واعتنائهما بما قرب من القلب ودفع أدية مادة النافض به وابتداء بذكر الساعدين في ذلك لأنهما أبرد من الفخذين لكثرة اللحم في الفخذين وقلته في الساعدين. وربما ظن أن مؤخر الساعدين أكثر شعرا من مقدمها، وهذا ظن ردىء. فإن الذي يظن أنه مؤخر الساعدين هو بالحقيقة مقدمها، ويدل على ذلك وجوه ثلاثة: أحدها أن الإنسان إذا أرخى * يديه (1383) ولم يتكلف أن يجعل لهما شكلا فإنا نرى ما يلي الظهر أقل شعرا مما يلي البطن؛ وثانيها أن الإنسان إذا قام على يديه وبسط كفه على الأرض حتى يصيرإ نمنزلة القدمين نرى ما * يلي (1384) الظهر من الذراعين أقل شعرا مما يلي البطن؛ وثالثها أنا إذا استقرينا أحوال اليد عند أعمالها في الدفع والجذب والصراع والتمريخ وغير ذلك نرى ما يحاذي الساعدين للظهر أقل شعرا مما يحاذي منه البطن. والله أعلم.

69

Unknown page