364

البحث الأول

في علة: ابتداء أبقراط بهذا الفصل في هذه المقالة وهو أن أبقراط من عادته، إذا انتهى كلامه في فصل، جعل الفصل الآتي بعده أوله مناسبا لأخر الأول، أو يكون حكمه مناسبا (3) لحكمه أو مقابلا له، وهو (4) لما انتهى كلامه في أخر الخامسة أن حصول حالة تدل على عدم حالة كاليرقان، فإنه يدل على عدم الرياح، ذكر في هذا الفصل أيضا أن هاهنا حالة أخرى حصولها يدل على عدم حالة أخرى كالجشاء الحامض، فإنه يدل على عدم زلق المعاء. والمراد بزلق المعاء في هذا الموضع، على ما ذكره جالينوس في شرحه لهذا الفصل وجمهور الأطباء المتقدمين والمتأخرين، خروج الغذاء والشراب بحالهما من غير أن يتغيرا في لونهما أو في قوامهما أو في طعمهما أو في رائحتهما، وبالجملة لا يتغيران في شيء من كيفياتهما. وعلى هذا كان من الواجب أن تسمي هذه العلة زلق المعدة، فإن هذا الفصل منسوب إلى المعدة غير أن الذي سموها بهذا الاسم تجوزوا (5) في العبارة، وأبقراط سماها بهذا الاسم المشهور وإن لم يكن اسمها في الحقيقة ولذلك قال «العلة التي يقال لها زلق المعاء» ولم يقل «التي هي زلق المعاء» [Y275a] أو نقول (6) أن الإمام سمى الملزوم باسم لازمه (7) كما سمى الأطباء ليثرغس بالنسيان، فإنه لازم للعلة المذكورة كذلك زلق المعاء فإنه لازم لزلق المعدة. فإن الغذاء إذا خرج من المعدة وهو بحاله عجزت المعاء عن هضمه وتغييره ومسكه فيتخلى عنه بل ينفر منه لأنه يصير كلا عليها فيخرج على سبيل الانزلاق، فهذا القدر لازم للأول ويجوز تسمية الملزوم باسم اللازم. والأفرق بين زلق المعدة وزلق المعاء فإن في الأول يخرج الغذاء كما ذكرنا وفي الثاني يكون البراز كيلوسيا وذلك لضعف ماسكتها لأن الغذاء لسرعة انحداره عن المعاء لا يتمكن الكبد من جذب صفوه على الواجب فيبقي مخالطا للبراز ويصير حاله كذلك لكن يجب أن تعلم أن هذا العرض ليس هو خاصا بضعف القوة المذكورة لخصوصية الأول بضعف المعدة. فإن هذا قد يكون لما ذكرنا وقد يكون لسدة في الماساريقا بحيث أنها تمنع الكيلوس من النفوذ إلى جهة الكبد فتخرج مع البراز وقد يكون لضعف جاذبة الكبد بحيث أنها تعجز عن جذب صفو الكيلوس بكليته فيبقى معظمه مخالطا للبراز ويخرج، وقد يكون لصغر الكبد بحيث أنها لا تقدر ولا تسع تجاويفها صفو الكيلوس جميعه ففي هذه الصور الأربع يكون البراز كيلوسيا كثيرا لمقدار رقيق القوام ويرتب على ذلك هزال الأعضاء ودبولها لكن الذي يخص ضعف ماسكة الأعضاء أن لا يحس فيه بثقل في أسفل الجوف ولا في الجانب الأيمن ويخص السددي ثقل ما دون الكبد ما يلى إلى جهة الغور وربما كان معه حمى إن كانت السدد عن ورم ويخص الكائن لضعف جاذبة الكبد وجود الثقل في أسفل الجوف لصحة قوة ماسكة المعاء وقلة البول لقلة ما ينفذ إلى جهة الكبد من صفو الكيلوس ورقيقه. ويخص الكائن للصغر أمور أربعة. أحدها قصر أصابع اليد فإن هذا القدر خاص بما ذكرنا على ما شهدت به الفراسة. وثانيها إحساس بالثقل في الجانب الأيمن ويرتاح هناك وذلك بسبب ضغط الكبد بالواصل إليها وضعف قواها الفاعلة عن المنقل الواصل إليها. وثالثها PageVW5P275B انتفاع العليل باستعمال المذرات المسهلات الخفيفة المنقية للكبد مما هو محتسب فيها من كثرة الغذاء الوارد إليها. ورابعها كثرة الأورام السدد في الجانب الأيمن بسبب الوارد عليها.

البحث الثاني:

الجشاء الحامض تارة يكون سببه سوء مزاج المعدة وهو إن تكون حرارتها قد ضعفت عن إحالة الكيلوس على الواجب وهو في هذه الصورة يستحيل إلى الحموضة. ثم هذا القدر تارة يكون بعد جودة الهضم وهو عندما يحصل للمعدة ما يضعف قواها وحرارتها. وتارة يكون حدوثه بعد فساد الهضم وهو عندما تنتعش حرارة المعدة وتنتهض لإجادة الهضم كما في هذه الصورة التي نحن فيها وهو مراد أبقراط. وتارة يكون سببه بلغما خاصا متشر به خمل المعدة أو سوداء طبيعية. فإن هذين الخلطين إذا كان حالهما كذلك أحالا ما يرد إلى المعدة من الغذاء إليها وظهر الجشاء الحامض والفرق بين حموضة الجشاء الحاصل من جهة المزاج والحاصل عن المادة المذكورة من وجوه ثلثة. أحدها أن الكائن للمزاج لا يحس معه بثقل في المعدة عند خلوها من الغذاء البتة، والمادي يحس معه عند خلوها مما ذكرنا (8). وثانيها أن المزاج إذا أطعم صاحبه غذاء صالحا وأسقى بعده ماء وأمر (9) بالقىء بعد ذلك فإنه لا يخرج به سوى الغذاء المستعمل. والمادي إذا فعل بصاحبه كذلك (10) خرج مع الغذاء شيء من المادة. وثالثها أن المزاجي لا يحصل معه جشاء حامض إلا إذا أخذ صاحبه الغذاء وتغير في معدته، والمادي الجشاء الحامض حاصل فيه أبدا سواء أخذ غذاء أو لم يأخذه. وأعلم أن المزاجي علاجه أصعب من علاج المادي لأن في المزاجي إيجاد شيء معدوم وفي المادي إعدام شيء موجود. والإيجاد يتوقف على أسباب كثيرة وأقلها (L5 154b) أربعة والإعدام على سبب واحد.

البحث الثالث:

قال جالينوس «أول من سمى هذه العلة بالاسم المذكور من اليونان توهم أنها تعرض من قبل ملاسة سطح المعاء الداخل حتى لا تضبط المعاء (11) بسبب تلك الملاسة ما في تجويفها. فإنها لما كانت على PageVW5P276A الحالة الطبيعية كانت تمسك ما فيها بخشونتها. وأنا لم أرض منهم تسميتهم هذه العلة بالاسم المذكور فإنهم جهلوا فعل البطن نفسه، أعني المعدة والمعاء، وهو أن المعدة تحتوي على الطعام مدة فعلها فيه فتضبطه وتمسكه ثم تدفعه بعد وتحدره إلى أسفل. فإن ضعفت عن مسكه دفعته أولا فأولا بحاله مثل المثانة في تقطير البول، فإنها لا تضبطه إلى حين يجتمع بل تدفعه (12) أولا فأولا ولا لحدة فيه. قال «فلو كان أول من سمى هذه العلة ملاسة المعاء عرف ما ذكرنا لما كان توهم ما توهمه من أن حدوث ذلك من ملاسة المعاء بل كان يجعل مكان (13) ذلك ضعف المعدة. قال: «وأما ما ذكره إرسطراطيس (14) في المقالة الثانية من كتابه في أمراض البطن من أمر هذه العلة فقد كذب على من قبله وأفسد على من جاء بعده» فإنه قال «إن من يقدمنا من الأطباء قسموا زلق المعاء إلى ثلثة أقسام. أحدها سحج المعاء، وثانيها زلق المعاء، وثالثها الزحير، فإنه متى خرج شيء من جنس الدم ومن جنس المخاط ثم خرج ما يخرج من رطوبات البطن منهضما، سميت هذه العلة سحج المعاء. ومتى كان البراز غير منهضم ولا نضيج (15) وكان يخالطه شيء من جنس المرار سميت العلة زحيرا. فهذا قول أرسطراطيس. (16) ولا أدري ما دعاه إلى ذلك، فإن هذا القول لم يقل به أحد ممن تقدمه مثل ديوقليس (17) وغيره ولا ممن كان في زمانه من المشهورين مثل فيلوطيس وغيره ولا ممن (18) جاء بعده مثل أرجيحانس (19) وغيره. فالحاصل مما ذكرنا ان تسميتهم هذه العلة بزلق المعاء تسمية غير مطابقة بل الواجب أن يسمي زلق المعدة.

البحث الرابع:

قد عرفت أن زلق المعدة يكون لأحد أمور ثلثة: إما انسلاخ سطح المعدة فلا تقدر على مسك الغذاء ريث ما يفعل فيه بل يبادر عند انحداره إليه فتدفعه أو لا، فأولا لأنه عند حصوله فيها إن كان فيه كيفية موذية مثل حرارة فعلية قوية أو كيفية لذاعة حريفة كما يحصل عن الأبازير الحادة أو كان شديد الحمض. فإنه متى كان كذلك لذعها وانكاها فتدفعه في أسرع وقت لذلك، فإن لم يكن فيه شيء من ذلك فإنه بخشونته PageVW5P276B يؤذيها ويزيدها جردا فيدفعه لذلك ويخرجه مثل هذا لا يكون معه جشاء حامض كما يكون لبلغم حامض مزلق متشرب في خملها لأن سببه مواد حادة لذاعة مقرحة فلا يحصل بعد برؤه وانضاجه (20) أيضا جشاء حامض لأن مزاجها لم يكن قبل ذلك ما يلى إلى البرد ثم حصل لها حرارة انهضت قواها لهضم الغذاء لأن حرارتها الأصلية ثابتة لم يتغير وينقص. وأما من رطوبة تملس سطحها الداخل ويزيل خشونتها التي بها تمسك الغذاء وتحتوي عليه بل يزلقه ويحدده بحاله ثم هذه الرطوبة قد تكون بلغما حامضا وقد تكون غير حامض. فإذا قويت حرارتها الغريزية وانهضمت (21) لهضم ما يأتي إليها من الغذاء حللت تلك الرطوبات وشرعت في فعلها في الغذاء فيحصل الجشاء الحامض أولا لذلك لأن في أول فعل المعدة في الغذاء لا بد أن يحصل الجشاء الحامض غير أن ذلك في الوقت الصحي لم يظهر لقصر الزمان فلا يحصل به شعور. وأما من ضعف قوتها الماسكة فإنه (22) عرفت أن الهضم موقوف على قوتين الهاضمة والماسكة: فالهاضمة لها الإحالة والتغير والماسكة لها المسك والضبط رتب ما تفعل تلك القوة فعلها. فإذا قويت حرارتها الغريزية حللت تلك الرطوبات من جرمها وقوى فعل الماسكة وحينئذ تجود الهضم ويحصل الجشاء الحامض لذلك. وهذا هو الذي مدح فيه أبقراط حصول الجشاء الحامض لأنه حاصل فيه بعد أن لم يكن. فإن بقوله حصل ميزة عن القروحي. وبقوله لم يكن كان قبل ذلك ميزة عن الزلقي لبلغم حامض. فهذا هو التحقيق في تأويل كلامه. وعند هذا نقول أن الإمام أبقراط لما كان عالما بأن زلق المعدة حاصل عما (23) ذكرنا أي إن بعضه لم يمكن أن يكون معه جشاء حامض مستمر وبعضه لم يكن معه ذلك في أول أمره عبر بعبارة مهملة ولم يحصر ذلك بحرف السور، وهو أن يقول «إذا حدث الجشاء الحامض في كل زلق المعدة فإن ذلك محال» بل عبر بما ذكره والمهملة عند المنطقيين في قوة الجزئية فكأنه يقول «إذا حدث الجشاء الحامض في بعض أنواع زلق المعدة وهو الضعفي كان ذلك دليلا محمودا»، ثم هذا PageVW5P277A الضعفي إذا كان في الابتداء أوجب نقصانا في الهضم، وذلك يلزمه جشاء حامض. ثم إذا تمكن وأوجب بطلان الهضم زالت الحموضة ثم إذا انتهضت الحرارة الغريزية وفعلت القوى الطبيعية فعلها الخاص بها حصل الجشاء الحامض لما عرفته. فهذا هو الجشاء الحامض المحمود لأنه حاصل بعد أن لم يكن بخلاف الحمض الأول، فإنه دال على نقصان الهضم وانذاره بالبطلان، والفرق بين الضعفي في ابتدائه وبين الزلقي لبلغم حامض لاشتراكهما في حموضة الطعم (24) أن الضعفي تكون الحموضة فيه عند الضعف والزلقي قبل (25) ذلك بزمان وبهذا يندفع اعتراض مقدر على كلام أبقراط وهو قوله «إذا حدث الجشاء الحامض» ولا شك أن الحادث هو الموجود بعد أن لم يكن، ثم قال بعد أن لم يكن هذا هو الأول فيكون كلام أبقراط تكرارا أو الجواب عن هذا الاعتراض ما ذكرناه والله أعلم.

2

[aphorism]

Unknown page