365

قال أبقراط: من كان في منخريه بالطبع رطوبة أزيد وكان منيه أرق فإن صحته أقرب إلى السقم، ومن كان الأمر فيه بالضد من ذلك فإنه أصح بدنا."

[commentary]

الشرح: هاهنا مباحث ثلثة.

البحث الأول:

في الصلة وهي أن حكم هذا الفصل كالمقابل لحكم الفصل الماضي فإن الماضي يتضمن ذكر حالة مذمومة منذرة بحالة صحية في بدن مريض وهذا (26) يتضمن ذكر حالة مدمومة منذرة بحالة مرضية في بدن صحيح.

البحث الثاني:

قوله من كان في منخريه بالطبع (L5 155a) رطوبة أزيد، أقول رطوبة المنخرين بالطبع تدل على فرط رطوبة الدماغ الطبيعية، وذلك لأن المنخرين (27) مخرج فضلات الدماغ والدماغ وإن كان له مخرج أخر لفضلاته وهو أعلى الحنك غير أن هذا أظهر للحس فكان أظهر في الدلالة فلذلك خصصه بالذكر وقوله أزيد أي أكثر من الحاجة وذلك لأن الرطوبة من الكيفيات الانفعالية وهذه الكيفيات لا تنذر بحالة مرضية وبعد البدن لقبولها إلا إذا كانت كذلك أي تكون أزيد وضرب المثال في الإفراط المعد للبدن لقبول السقم بهذه الكيفية لأن الانفعالية (28) من شأنها الإعداد وخصص الذكر بالرطوبة دون اليبوسة لأنها أقوى المنفعلتين (29) وضرب المثال بذكر رطوبة المنخرين والمنى لوجهين: أحدهما أن رطوبة المنخرين PageVW5P277B دالة على ضعف الدماغ وكثرة فضلاته، ورقة المنى دالة على مائية الدم الواصل إلى الأنثيين وذلك يدل على فرط رطوبة الكبد وضعف فعلها في الهضم وذلك لأن مادة شهوة الجماع المنى وهي آتية إلى الأنثيين من الكبد ونفس الشهوة والإحساس آت إليه من الدماغ والانتشار من القلب ومن عادة أبقراط أن يستدل بسلامة فعل هذاين على سلامة (30) البدن وبضررهما على ضرره على (31) ما ذكرناه في شرح قوله في المقالة الثانية (32) «صحة الذهن في كل مرض علامة جيدة» (33) وإنما لم يذكرها هنا ما يدل على ضرر الحيوانية لما ذكرناه في شرح ذلك (34) الفصل والعلة فيما ذكرنا أن الأعضاء الرئيسة على نوعين منها ما يتعلق بتدبير النوع ومنها ما يتولى (35) بتدبير الشخص فالمتولي لحفظ الدماغ (36) الأنثيان والمتولي لبقاء الشخص وتدبيره القلب والكبد والدماغ أما القلب فبامداده له بالحياة وبالحرارة الغريزية التي هي آلة كل قوة وأما الكبد فبامدادها له بالغذاء الذي به بقاء البدن والزيادة فيه بالنمو وأما الدماغ فبامداده له (37) بالحس والحركة المحتاج إليها في تكميل الحياة. وثانيهما أن الدماغ بطبعه رطب فإذا اتفق أن كان مزاج البدن رطبا كان الدماغ رطبا جدا وكانت فضلاته كثيرة جدا وذلك يلزمه كثرة انحدار الرطوبات من المنخرين لأنهما مجرى فضلات الدماغ وكذلك الأنثيان فإنهما رطبتان بالطبع فيكونان في البدن الرطب رطبتين جدا وذلك يلزمه رقة المنى ومائية فإن قيل هاهنا علامات أخر تدل على رطوبة المزاج وهي مثل ترهل البدن ولين البراز وبياض اللون وغير ذلك وقد عرفت ذلك (38) وإذا كان كذلك فلم خصص أبقراط بالذكر المأخود من المنخرين والمنى دون تلك قلنا هذه العلامات لا تظهر إلا لغلبة الرطوبة وإفراطها وذلك موجب لحصول الأمراض لا لاستعدادها (39) فقط بخلاف حال رطوبة المنخرين والمنى فإن أدني (40) رطوبة أزيد مما يقتضي مزاج الشخص يوجب ما ذكره أبقراط فيكون ذلك منذرا بالستعداد للمرض فإن قيل فلم لا PageVW5P278A اقتصر في الستدلال على ذلك باحدي العلامتين دون الأخرى. قلنا يجوز أن يكون ذلك المزاج خاصا بعضو ويكون مزاج باقي الأعضاء معتد لا بخلاف ما إذا اجتمع ذلك فإنه في الغالب وأكثر الأحوال يكون لمزاج عام.

البحث الثالث:

في كيفية إعداد ذلك للسقم وذلك من وجوه اربعة. أحدهما أن الأعضاء إذا كانت أرطب كانت أرخى (41) وألين وأسخف وكل ذلك يوجب سهولة الانفعال مما يؤثر في البدن سوى كان منبعثا من داخله أو واردا عليه من خارجه. وثانيها أن رطوبات البدن متى كانت بهذه الصفة لزمها ضعف الحرارة الغريزية ومتى ضعفت، قصرت عن التصرف فيها على الواجب وعند ذلك تتصرف فيها الحرارة الغريبة. ثم إنها تقوى كلما طال الزمان بها وتعفن وتوجب أمراضا عفنة وردئية. وثالثها أن مزاج الدماغ متى كان كذلك تعذر على القوة المحركة النفوذ في منافذ الأعصاب لوجهين: أحدهما أن الرطوبة تغلظ قوام الأرواح الحاملة لها، وثانيهما أنها تسدد منافذ الأعصاب ومسالكها. ومتى تعذر على القوة المذكورة النفوذ إلى آلتها تعذرت الحركة وعند ذلك تخمد الحرارة الغريزية وتستولى الرطوبات على البدن. ثم إنها تعفن وتؤذيه وكذلك الحال في رطوبة المنى ورقته. فإنه يلزمه ضعف الانتشار وذلك يلزمه قلة الجماع المترتب عليها قلة تحليل الفضول وإنهاض الحرارة الغريزية. ورابعها أن الدماغ متى كان كذلك كثر حدوث النزلات وانحدار المواد الرطبة إلى قصبة الريه وعند ذلك تضيق مجاريها التي هي مجاري الهواء البارد والبخار الدخاني وذلك مما يضعف الحرارة الغريزية ويوقع صاحبه في أمراض الرئه. فإن قيل كما أن إفراط الرطوبة بعد البدن للأمراض المادية كذلك الإفراط في اليبوسة بعد البدن للأمراض الساذجة اليابسة كالدبول وغيره. ونقول قد ذكرنا الجواب (42) عن هذا وهو أن الرطوبة لما كانت أضعف المنفعلين كان إعدادها للبدن لقبول الأمراض أبلغ من إعداد اليبوسة له (43). فإن قيل قوله «ومن كان الأمر فيه بالضد فإنه أصح بدنا» ليس بصحيح [Y278b] فإن الذي هو على ضد ذلك المائل إلى اليبوسة بمقدار مثل ذلك إلى الرطوبة، وإذا كان كذلك فتكون اليبوسة مستولية إذا كان حال الضد كذلك كيف يصح قوله ويكون أصح بدنا. فنقول ليس المراد بالضدية ما أريد به في حد الضدين وهو أن يكون البعد بينهما في غاية الخلاف حتى يكون المائل إلى اليبوسة المفرط فيها على حكم المائل إلى الرطوبة، بل المراد به أن يكون انقص رطوبة وهو المعتدل، ولا شك من كان (44) حاله كذلك فهو (45) أصح بدنا لأنه ليس فيه استعداد لقبول الأمراض (46) المادية ولا الأمراض الساذجة. ومع هذا فقد رأينا في بعض النسخ «ومن كان الأمر فيه على خلاف ذلك فإنه أصح بدنا» وعلى هذا يصح أن يقال للمعتدل (47) أنه مخالف للمفرط في الرطوبة والله أعلم.

3

Unknown page