366

[aphorism]

قال أبقراط: الامتناع من الطعام في اختلاف الدم المزمن رديء وهو مع الحمى أردى.

[commentary]

الشرح: هاهنا ثلثة مباحث.

البحث الأول:

في الصلة وهي أنه ذكر في الفصل الماضي حالة مذمومة منذرة بمرض في بدن صحيح وفي هذا الفصل ذكر حالة مذمومة منذرة بأمر رديء في بدن مريض. فإن الحالات المنذرة بحسب هذه القسمة تنقسم إلى أربعة أقسام وهي هذه الثلثة وأخرى قباله بهذه (48) الثلثة، وهي (49) حالة جيدة منذرة بأمر جيد في بدن صحيح. ولما كان ذكر هذا ليس فيه فائدة طبية ترك ذكره وابتداء بالأول لأنه أفضل لكونه منذرا بحالة صحية. ثم ذكر الثاني لأنه دونه في الفضيلة لأنه في بدن صحيح منمذر بحالة مرضية. ثم الثالث لأنه دون الثاني في الفضيلة لأنه في بدن مريض منذر بالرداءة.

البحث الثاني:

في (50) المراد باختلاف الدم إسهاله. ثم هذا تارة يكون من جهة الكبد وتارة يكون من جهة المعاء والكل إذا حصل، حصل (51) معه ذهاب شهوة الطعام وهو رديء لا سيما متى كان مع ذلك حمى. أما الكبدي فهو أن الكبد إذا كان بها أفة PageVW1P155B عظيمة من سوء مزاج حار مذيب يجوهرها بحيث أنه يجعله صديدا أو يستمر سيلانه إلى جهة المعاء وأسافل المعدة. فإنه متى حصل منه ذلك بطلت الشهوة لوجوه ثلثة (52) PageVW5P279A أحدها لضعف القوة بسبب خروج الدم واشتغال الكبد بمقاومة أفتها عن أن تحدث شيئا من الكيلوس لتيحله دما وتغتذي به الأعضاء. وثانيها أن شهوة المعدة ثورانها وانتهاضها إنما يحصل عند خلو ما فيها، وذلك يكون بجذب الكبد كذلك (53) والجذب قد وقف لما قلنا. وثالثها أن المعدة تشارك المعاء في أفتها وأذيبتها بما هو منصب إليها من ذلك الصديد. وإذا كان كذلك فيكون ذهاب الشهوة في هذا المرض رديئا من حيث هو علامة ومن حيث هو سبب. أما من حيث هو علامة فلما ذكرنا وأما من حيث هو سبب فإنه يتبعه قلة الغذاء الوارد إلى الأعضاء أو عدمه، وذلك موجب لضعف القوة الموجب لتمكن المؤدي الموجب لفرط الإسهال. وأما المعوي فهو إذا حصل في المعاء سحج وهو المعروف «بالدوسنطاريا (54)» المعوية وآل أمره إلى اختلاف الدم، فإنه يدل على أن القرحة قد تعمقت في جرم المعاء، وعند ذلك تتأدي الأفة إلى المعدة إذا تطاول أمرها ويعرض لها بسبب ذلك سوء استمراء ثم امتناع أخذ الطعام وهو المراد به ذهاب الشهوة. وقوله المزمن أي الذي قد طالت مدته وشرط ذلك لأنه متى لم يطل زمانه لم يكن الامتناع من الطعام بذلك الرديء لدلالته على بقاء الرطوبات الأصلية والقوى البدنية.

البحث الثالث:

قوله «وهو مع الحمى أردى». يجوز أن يكون هو عائد إلى الامتناع من الطعام لأن الامتناع من الطعام مع اختلاف الدم رديء وهو مع الحمى أردى بدلالته على قوة الحمى وتوفر مادتها واشتغال الطبيعة بمقاومتها. ويجوز أن يكون عائد إلى الاختلاف لأن الاختلاف مع الحمى أردى من الامتناع من الطعام مع اختلاف الدم لدلالته على ورم الباطن أو على فرط سوء مزاج وفرط فساد المادة الموجبة للاختلاف. وأيضا فإن الحمى يلزمها التحلل، وزيادة التحلل مع قروح (55) الدم وعدم الغذاء لا شك أنه رديء. فإن كان مع المجموع حمى كان أردى والمجموع أولى لأنه ظاهر كلام أبقراط. فإن إسهال الدم إذا قارنه ذهاب الشهوة وحمى كان ذلك أردى مما إذا (56) كان خاليا من الحمى لزيادة الحمى نقصان أو عدم اغتذاء الأعضاء PageVW5P279B بما عساه أن يتصل (57) إليها من الغذاء. فإن كان سببها ورما كان ذلك أبلغ في الرداءة. قال ابن ابي صادق «وأحسب أن أبقراط عنى بقوله الامتناع من الطعام في اختلاف الدم رديء الاختلاف السحجي (58)، وبقوله «وهو مع حمى أردى» الاختلاف الكبدي لدلالة الأول على تمكن أفة المعاء ووصولها إلى المعدة، والثاني على استيلاء سوء المزاج المرتب (59) واستحالة الدم إلى الصديدية. فنقول هذا حق غير أن أبقراط ما (60) فصل الاختلاف وقسمه إلى ما ذكره بل قال اختلاف الدم مطلقا وجعل الضمير في الحمى عائدا إليه والله أعلم.

Unknown page