368

[aphorism]

قال أبقراط: ينبغي أن يتفقد الأوجاع العارضة في الاضلاع ومقدم الصدر وغير ذلك من سائر الأعضاء عظم إختلافها.

[commentary]

الشرح: هاهنا مباحث أربعة.

البحث الأول:

في صلة، وهو أن أبقراط من عادته إذا أثبت حكما في صورة خاصة نقله إلى ما هو أعم منها ولما ذكر في الفصل الماضي ما يعرف به رداءة حال القرحة والأردى بها وهو سقوط ما حولها من الشعر. والا سقوطه نقل هذا الحكم إلى الوجع مطلقا فإنه (74) ينبغي أن يعرف السليم منه وغير السليم وذلك PageVW1P156A من عظم اختلافه أي مقداره في القوة الذي هو العظم وفي الضعف الذي هو الصغر. ومراده هنا بالأوجاع الأمراض والأعراض، فإن القوية من ذلك رديئة والضعيفة سليمة لدلالة الأول على قوة السبب وضعف القوى والثاني على العكس. وابتداء بذكر هذا الحكم PageVW5P280B في الاضلاع ومقدم الصدر لأنه محل لأريس الأعضاء وأشرفها، وهو القلب. ثم قال ولست أقول ذلك فيما ذكرنا بل وفي سائر الأعضاء. وأعلم أن ما ذكره من الحكم في هذا الفصل والذي قبله فإنا ننتفع به في أمر العلاج وفي عاقبة المرض. أما الأول فإنا (75) متى رأينا القرحة يتناثر ما حولها والأوجاع قوية زدنا في قوى الأدوية التي نعالج العضو بها لتقوى على مقاومة السبب الموجب للخروج، ومتى كان الأمر بالخلاف فالمعالجة بالخلاف. وأما أمر العاقبة فأنا متى رأينا حال القرحة كذلك والأوجاع قوية تقدمنا وانذرنا بتلاف؟ العضو الذي القرحة فيه وبهلاك العليل، ومتى كان الأمر بالخلاف فالانذار بالخلاف.

البحث الثاني:

قوله «ينبغي أن تتفقد الأوجاع عظم اختلافها» تارة يقرأ العظم بكسر العين وفتح الظاء وتارة بفتحها وضم الظاء. فإن قرئ الأول، فهم منه مقدار الوجع في قوته وضعفه ويكون مراده بالعظم المقدار. قال جالينوس في شرحه لهذا الفصل كان من عادة الأطباء أن يسموا كل شيء هو أشد وأقوى على طريق الاستعارة أعظم (76). وإن قرئ بالثاني فهم منه مقدار النفع والفائدة من معرفة اختلافها تختلف. فإنها بحسب السبب الموجب لها وبحسب محلها في الأعضاء على ما سنبينه والمعالجة كما تختلف بحسب المفهوم الأول كذلك تختلف بحسب المفهوم الثاني بل اختلافها بالمفهوم الثاني أكثر منه بالمفهوم الأول. مثال ذلك (77) الأول ذات الجنب فإنها متى كانت أعراضها قوية ظاهرة دل ذلك على قوة السبب الموجب لها وضعف القوة وعند ذلك لها معالجة مخصوصة، ومتى كان حالها بالعكس كان لها معالجة أخرى. ومثال الثاني الوجع متى كان في العصب كانت معالجته غير معالجته (78) عند كونه في اللحم وهي غير معالجته عند كونه في الغشاء.

البحث الثالث:

الاطباء قد حصروا أنواع الأوجاع في خمسة عشر نوعا، وهي (79) الحكاك، الخشن، الناخس، الضاغط، الممدد، المفسخ، المكسر، الرخو،، الثاقب، المسلي، الخدري، الضرباني، الثقيل، الاعيائي واللاذع. فالحكاك سببه خلط حريف أو مالح أو سوداء حادة. فإن PageVW5P281A هذه المواد إذا استولت على العضو أكلته وأوجبت فيه الحكاك. والخشن عبارة عن وجع يكون معه اختلاف في سطح العضو وسببه خلط غليظ القوام يابس المزاج. والناخس وجع يحس معه بنخس في العضو ومن خواصه امتداده على العضو لأن هذا الوجع خاص بالاغشية وهي منبسطة على العضو محيطة به وسببه شيء ممدد يفرق اتصاله وذلك إما خلط يمدد الغشاء ويوجب ذلك له وإما ريح يمدده ويفرق اتصاله. والضاغط سببه شيء يزاحم العضو ويضيق عليه مكانه، وذلك إما ريح تكثفه وتحتوي عليه فيصير كأنه مقبوض عليه وإما مادة تضيق عليه مكانه.والممدد سببه الريح أو خلط يمدد العصب والعضل كأنه يجذبه إلى أطرافه (80) والمفسخ سببه شيء يتحلل بين العضلة والغشاء المحلل لها يمدد الغشاء ويبرئه عن جرم العضلة وذلك الشيء إما ريح وهو الأكثري وإما خلط غليظ وهو الأقلي لأن الريح أسهل مداخلة وأسرع نفوذا وتفريقا. والمكسر خاص بالغشاء المحيط بالعظام وذلك لتحليل (81) شيء بين الغشاء والعظم فيمنعه من ملاصقته وملاقاته وذلك إما مادة أو ريح، والمادة هاهنا أقوى في إيجاب ذلك من الريح لأنها معما أنها توجب (82) التفريق المذكور تضغط (83) العظم وتحدث فيها (84) حالة شبيهة بالتكسير وقد يكون سبب هذا الوجع بردا قويا استولى على العظم وكثف الغشاء وأوجب شدة قبضه واحتوايه عليه. والرخو خاص بلحم العضل فإن الأفة متى حصلت في هذا العضو مددته وأوجبت له تفرق الاتصال غير أن التمديد هاهنا يكون (85) أقل منه فيما ذكرنا. وسمي هذا الوجع رخوا لأن محله، أعني اللحم، أرخى من العصب والوثر والغشاء فسمي بذلك المجاز اشتقاقا من محله. والثاقب وجع يحس فيه بشيء ينفذ في جرم العضو مع دوران حتى كأنه يثقب، وسببه مادة غليظة تداخل جرم عضو غليظ (86) الجوهر كمعاء قولون (87) أو ريح تداخله. والثاني أولى بايجاب الوجع المذكور فإنه بطبعة متحرك. والمسلي هو أن يحس فيه بوجع ساكن وسببه ما ذكرنا في العضو المذكور. والمادة الغليظة هي أولى بذلك لأنها بطبعها ساكنة فالوجع الثاقب والمسلي يشتركان في المحل ويختلفان (88) PageVW5P281B في السبب وفي الحركة. والخدري هو أن يحس فيه ينقصان الحس وضعفه وسببه إما من داخل وإما من خارج. والداخل إما سوء مزاج بارد يكثف منافذ الاعصاب ويغلظ جوهر الروح ويمنعه من سرعة النفوذ والشريان أو مادة لزجة تسد منافذ الاعصاب وإما سوداء مضادة لقوى الحس والحركة ويمنعها من النفوذ، والخارج إما من أدوية مخدرة تفعل في الاعصاب وفيما ينفذ فيها ما يفعله سوء المزاج البارد أو مسك (89) السمكة المعروفة بالرعادة. (90) والضرباني له شروط ثلثة: أحدها أن تكون المادة الموجبة له حارة، فإن الباردة سواء كانت مرخية أو مصلبة. فإنها توجب الخدر على ما عرفت. وثانيها أن يكون الورم في عضو حساس فإن الغير حساس لا يشعر بالوجع. وثالثها أن يكون الورم بقرب شريان فإنه يظهر بمزاحمة الورم له ويظهر حركته. والثقيل وجع يحس معه بثقل في العضو الضعيف وكونه ثقيلا تارة يكون من جهة المرض نفسه وتارة يكون من جهة العضو. أما الأول فبميزله (91) الورم الصلب إذا حصل في عضو حساس كفم المعدة فإنه لسوداويته يبطل حسه ولغلظه يهبطه إلى أسفل ويحس معه بثقل. وأما الثاني فإن الأعضاء الغير (92) الحساسة كالكبد والطحال والرئه كل هذا على رأيهم. فإن هذه متى حصل فيها ورم انجذبت إلى أسفل فاتجذبت علائقها. والاعيائي وجع يحس معه بكلال في القوة المحركة للاعضاء وقد عرفت اقسامه في المقالة الثانية من هذا الكتاب. واللاذع وجع يحس معه بلذع في الأعضاء وحرقان وسببه خلط حاد لذاع ماربا (93) عضاء حساسه.

Unknown page