442

[aphorism]

قال أبقراط: متى عدم اللسان قوته بغتة أو استرخي عضو من الأعضاء فالعلة سوداوية.

[commentary]

الشرح: هاهنا بحوث ثلاثة.

البحث الأول:

في الصلة وهي أن الفصل الماضي لما كان يتضمن ذكر حكم من أحكام النزلة ذكر في هذا الفصل حكماء آخر من أحكامها، وهو أنها متى كان انصباب مادتها إلى اللسان أو إلى أي عضو كان، فإنها تحدث استرخاء في ذلك العضو. قال جالينوس: «والواجب أن يزاد في هذا الفصل أو بلغمية، وهذا هو الحق، ولعل هذه الزيادة كانت موجودة في كلامه الأول وأسقطها الناسخ الأول، فإن السوداء والبلغم يوجبان الاسترخاء على ما عرفته.»+++

البحث الثاني:

الأولى عندي أن يفهم من قول أبقرط متى عدم اللسان قوته أي الدائقة فإن هذه القوة هي قوة اللسان لأنها خاصة به ويجوز * أن (196) من ذلك قوته المحركة، ويكون تقدير الكلام ان قوة اللسان المحركة إذا بطلت دفعة بل وأي عضو كان إذا بطلت قوته المحركة * دفعة (197) فسبب ذلك البطلان إما مادة سوداوية أوبلغمية، فإن من عادة أبقراط إذا أراد أن يثبت حكما أثبته أولا في صورة خاصة ثم نقله إلى ما هو أعم، كما فعل في هذه الصورة. وقوله: «دفعة، لأن ما لا يكون من ذلك دفعة فسببه ورم وغالب هذه الأورام عن سقطة أو ضربة، وذلك موجب لكون * الورم (198) دمويا لأن الطبيعة في ذلك الوقت تنصرف إلى موضع الوجع وتصحبها في الأكثر وغالب الأمر الدم». وإذا كان كذلك فيصح حكمه أنه متى كان بطلان ذلك دفعة فسببه إما سوداء أو بلغم، وأما الصفراء فيشبه أن تكون قد انجذبت إلى جهة الورم بسبب حرارته أو بسبب ألمه، أو نقول إنها لا تبلغ أن تسد مسالك القوة وترخيها كما يفعل PageVW5P336B البلغم في ذلك، وأما السوداء، فإنها توجب ذلك لأنها مضادة للقوة المحركة * والحساسة (199) ، ومتى كان حالهما كذلك فأي عضو استوليا عليه * أوجبنا (200) له الاسترخاء لأن هذا المرض يعدم العضو فيه الحس والحركة، وذلك لسدهما مسالك هاتين القوتين.

البحث الثالث:

إيجاب السوداء للاسترخاء بوجه غير الذي أوجب * به (201) البلغم لذلك فإن السوداء تفعل ذلك من وجهين: أ حدهما المسالك، وتمنع القوة المحركة والحساسة من النفوذ، وذلك لغلظ قوامها. وثانيهما من جهة مضادتها لقوى الحس والحركة ببردها ويبسها، فلمضادتهما لهما يمنعانهما من النفوذ والسريان، وفي هاتين * الصورتين (202) إذا عدم العضو الحركة بقي كالمسترخي. وأما البلغم فإنه يوجب ذلك من جهة * سده (203) ومن جهة إرخائه وبلة للعضو غير أن * السدة (204) الحاصلة من هاتين المادتين لا تخلوا إما أن تكون في عصب الحس وإما في عصب الحركة وإما في عصب الحس والحركة معا. ومعنى قول الأطباء هذا هو أن * معظم (205) ما في عصب الحركة القوة المحركة، وكذلك معنى * قوله (206) : في عصب الحس، وإلا كيف يتصور ما قالوه على ظاهره ومنبت الجميع من معدن واحد، وهو مبدأ القوتين * المذكورتين (207) ، غير أنه لما كان بعض الأعصاب الغالب عليه اليبس، وهي النخاعية، وبعضها الغالب عليه الرطوبة، وهي الدماغية؟ كان * قبول (208) الأول للقوة المحركة أبلغ منه للقوة الحساسة، والثاني بالعكس، فاختلاف * القوتين (209) ليس هو لاختلاف المعدن بل لاختلاف القابل. ولا شك أن السدة متى حصلت في العصبة التي أحدى القوتين فيها أبلغ، كان ضررها بتلك القوة أكثر. وأما إذا كانت العصبة القوتان فيها متساويتان كالأعصاب النابتة من مؤخر الدماغ، فهذه العصبة متى حصلت فيها سدة وكانت عظيمة منعت القوتين من النفوذ، ومتى كانت غير عظيمة كان ضررها بالقوة المحركة أبلغ منه بقوة الحس لوجهين: أحدهما أن القوة المحركة أكتف من القوة الحساسة لما عرفت من جهة الأعصاب. وثانيهما أن حاجة العضو القابل إلى القوة المحركة أبلغ من حاجته إلى القوة الحساسة، فيكون أدنى حس ينفذ إلى العضو يكفيه وليس أدنى حركة تكفيه، والله أعلم.

Unknown page