Sharḥ Fuṣūl Abūqurāṭ
شرح فصول أبقراط
اعلم أن الرازي PageVW5P340A لما نظر في كلام * الإمام (237) أبقراط بقي متحيرا قائلا بأن الغشاء الذي * للكبد (238) ليس يمكن أن يكون فيه ورم إذا تقيح بلغ * من (239) عظمه أن تسيل المدة منه فضلا عن أن يحتاج أن ينقب لتخرج المدة منه. قال: «اللهم إلا أن يفهم من الكبد موضع الكبد من مراق البطن، وهو ما يعلوها منه». فإن هذا الغشاء يخين الجرم فيه أجزاء الحمية، فهو قابل للتوريم التقيح وجمع المدة. واعلم أنا إن فهمنا من كلام أبقراط ما ذكره الرازي لم يكن مطابقا لما قاله، فإنه قال: «من كان في كبده مدة»، ثم أدخل الغشاء في جملة الكبد، ولو كان المراد من قول أبقراط ما قاله الرازي، لكان القول المطابق له «من كان في كبده مدة» أو فيما يحاذيها أو * فيما (240) يجاورها مما يحيط بها أو فوقها. وأيضا فإنما نقول له الغشاء المحيط بالكبد كثيرا ما يحصل فيه نفاخاة من خارج وتتفقا إلى خارج وتمتلئ البطن منها، ويحدث استسقاء. وإذا كان كذلك فليس من المستبعد أن يكون ما يسيل منها إلى الفضاء الذي بين الغشاء وبين الجرم الكبد. ويحصل من ذلك مدة هناك، والله أعلم.
45
[aphorism]
قال أبقراط: إذا كان في العينين وجع فاسق صاحبه شرابا صرفا ثم أدخله الحمام وصب على * رأسه (241) ماء حارا كثيرا، ثم أفصده.
[commentary]
الشرح: PageVW1P176B هاهنا بحثان.
البحث الأول:
في الصلة، وهي أن هذا الفصل كالمقرر والمؤكد للفصل الماضي، فإن الماضي لما ذكر * فيها (242) نوعا من معالجة مرض من أمراض الكبد، وهو الورم مثلا، ومعالجة أورام الكبد بالأشياء الملطفة، ثم المحللة لما لطفته، فإن المادة لا تلحج في العضو وتقف في مجاريه ومنافذه إلا إذا كانت غليظة. ولا شك أن هذه متى ورد عليها الملطف رقق قوامها وأخرجها عن سطح العضو اللاحجة فيه أولا فأولا، ثم إذا ورد * عليها (243) المحلل حلل منها ما هيئة الملطف. ولما كان الحق في معالجة ذلك ما ذكرناه ذكر في هذا الفصل ما يؤيد ذلك ويصححه من جهة التجربة، وهو أنه إذا كان في العين وجع مزمن كما في هذه الصورة، فإن قول أبقراط إذا كان في العين وجع المفهوم منه الوجع المتطاول، ولا شك أن الوجع المتطاول سببه لا محالة خلط غليظ قد لحج في منافذ العضو ومسامة PageVW5P341B +++ والمداواة التي ذكرها من أوفق الأشياء له. فإن الشراب بما فيه من التسخين والتلطيف وتقوية القوى وانعاش الحرارة الغريزية التي هي آلة كل قوة من أوفق الأشياء لذلك. وشرط فيه أن يكون صرفا ليكون تحليله أبلغ من ترطيبه. فإن حاجتنا هنا إلى الترطيب حاجة يسيرة، والحمام فيه التحليل وإخراج المادة بالعرق، ولما كان حال الحمام كذلك أمرنا بأن يكون * المستعمل (244) منه كثيرا جدا وجعله صبا ليدخل في مسام الرأس وينفذ إلى العين غير أنه الواجب أن يكون اسعماله بعد أخذ الشراب ليكون قد سبقه الشراب وهئيا المادة للتحليل. ولذلك قال: «ثم الحمام»، لأن هذه اللفظة للتعقيب، وأما الفصد، فإنه يخرج المادة المرضية لكن بجب أن يكون استعماله بعد تهيئة المادة للخروج، ولذلك أمر بأن يكون اسعماله بعد استعمال الشراب الصرف والحمام، فإن ذلك مما يعين على ترقيق المادة تهيئتها للخروج غير أنه لا يجب أن يفهم من الفصد فصد الباسليق أو القيفال، وبالجملة العروق البعيدة من العين. فإن خروج المادة اللاحجة في العضو يتعذر خروجها من جهة بعيدة. بل مراده بالعروق عروق الماقين والأرنبة، وبالجملة القريبة من العين لأنك قد عرفت أن المادة إذا كانت قد أنصبت إلى العضو واستقرت فيه تارة يكون جذبها من جهة قريبة، وهو إذا كانت قريبة العهد بالاستقرار، وتارة من نفس العضو، وهو إذا كانت بعيدة العهد بذلك، لكن هذا القدر لا يمكن استعماله في العين، فإنه من المستحيل أن تخرج مادتها المستقرة في جوهرها بالشرط كما في الخبيثة أو بتعليق العلق على طبقات العين، بهذا التأويل يندفع ما قاله جالينوس، فإنه هو الحق من مفهوم هذا الفصل.
البحث الثاني:
قال جالينوس: «هذا من الفصول المدلسة على أبقراط، وذلك لأنه لم يوافق قوله المتقدم في السادسة من هذا الكتاب أوجاع العين يحلها شرب الشراب الصرف أو الحمام أو التكميد أو فصد العروق أو شرب الدواء. فقال أوجاع العين مطلقا، وذكر * معالجة (245) العين مطلقا ليستعمل الطبيب الحاذق كل نوع من معالجة PageVW5P342A لنوع من الوجع، وفي هذا الفصل ذكر نوعا واحدا من الوجع يستعمل فيه ثلاثة * أصناف (246) من المعالجة، فإنه قال: «إذا كان في العين وجع»، ولم يقل: أوجاع. قال: «وقد قال بعض من فسر هذا الفصل إنه متى كثر في البدن دم غليظ فإنا نحتاج أن نستفرغ ذلك الدم بشرب الشراب الصرف واسعمال الحمام»، قال: «والقائل بهذا القول جاهل بأعمال الطب»، وذلك لأنه متى كان في البدن امتلاء فهذا الامتلاء لا يخلو إما أن يكون في البدن كله أو في البدن فقط. فإن كان الأول نفعه الفصد وضره شرب الشراب والحمام، فإن ذلك يخلخل المادة ويزيد في حجمها، وعند ذلك لم يؤمن أن يتمزق بعض طبقات العين. وإن كان الثاني نفعه شرب الشراب الصرف ودخول الحمام لأنهما يعينان على تحليل المادة اللاحجة ولم ينفعه الفصد لأنه لم يقدر على إخراج المادة اللاحجة في طبقات العين. فالحاصل أن الحالة المفروضة لا ينتفع بالمعالجة الثلاثة المذكورة والذي نقوله نحن: إن أبقراط قال: «من كان به وجع»، أي وجع قديم، وغالب الأمر أن من كان به ذلك فإنه لا بد أن يتقدمه استفراغات كثيرة، ولم يبق في مثل هذه الصورة في البدن مادة سوى التي في العين فقط لاستعصائها على الدواء الجاذب لها، وذلك لغلظها، ولذلك أوجبت طول المرض، وهذه المادة متى استعمل في معالجتها ما ذكره الإمان انتفع به لا سيما على الترتيب الذي ذكره، وهو استعمال الشراب الصرف لتسخين المادة اللاحجة وترقق قوامها وتهيئتها للخروج، ثم الحمام ليحلل منها ما أمكن تحليله، ثم الفصد ليخرج ما عساه ان يستعصى على الحمام في التحليل، وليس مراده بالفصد فصد الأكحل أو الباسليق أو القيفال بل عرق الماقين الذي يحصل بفصدهما استفراغ المادة من نفس العضو الواجب استعماله في هذا الوقت، فثبت بما ذكرنا أن حكمه في هذا الفصل حكم صحيح، وإنه ليس من الفصول المدلسة على أبقراط بل هو كلامه، والله أعلم.
Unknown page