452

الشرح PageVW5P343B : هاهنا مباحث ستة.

البحث الأول:

في الصلة، وذلك من وجهين: أحدهما أنه يتضمن ما يتضمنه الفصل الماضي، وهو ذكر حالة من أحوال الدماغ، فاشتركا في محل الحالة. وثانيهما أنه يتضمن بيان * أمكان (273) برؤ العلة المذكورة في الفصل المتقدم، وهو أن الدماغ له منافذ ومجاري يتحدر ويخرج منها فضلاته.

البحث الثاني

في حقيقة العطاس. العطاس حركة * وحامية (274) من الدماغ لدفع المؤذي باستعانة من الهواء المستنشق دفعا من طريق الأنف والفم ونسبته إلى الدماغ كنسبة السعال إلى الرئة. والعطاس على نوعين: منه ما يكون من جهة الطبيعة، بمعنى أنها تنهض لدفع ما يؤذي الدماغ، ومنه ما يكون من * جهة (275) استعمال أدوية معطسة، وهذا في الحقيقة أيضا من جهة الطبيعة، فإنها إذا تشمرت في مثل هذا الوقت لدفع ما وصل إلى الدماغ من أدى الأدوية المعطسة. والأول دال على قوة القوة، ولذلك صار بحمد في الأمراض وينذر بالسلامة منها، وفي قرب موته لا يقدر عليه، ولو استعمل فيه المعطسات وهو ضار في ابتداء النزلة والزكام لحاجة الخلط الموجب لذلك إلى السكون لأجل النضج.

البحث الثالث:

قوله «العطاس» يكون من الرأس. معناه أن الداعي للعطاس تارة يكون من الرأس وتارة يكون من غير الرأس، فمتى كان داعية من الرأس فحصول داعيه سخونة تسخنه وتسيل رطوباته، ثم هذه السخونة تارة تكون من سخونة الهواء كما يعرض للمتعرض للشمس الحارة بغتة لا بالتدريج. فإنها متى كانت كذلك لم ينفعل عنها الدماغ فلا يتسيل ما فيه من الرطوبات وتارة يكون من سخونة المستنشق إذا كان سريع النفوذ إلى الدماغ كما يحدث عند شم الأشياء الحارة، فإن كان مع هذه قوة قابضة منعت خروج ما يحدث من تلك الحرارة من الأبخرة بسدها المنافذ كان إيجابها للعطاس أبلغ. PageVW5P344A ولهذا كان الورد يعطس كثيرا غير أن حرارة الورد ضعيفة، لذلك لا ينفعل عنها الا محرور المزاج * و (276) الدماغ فإن كانت الحرارة لذاعة لذعت الخياشيم كان * أيضا (277) إيجابها للعطاس أكثر، ولذلك صار يحدث العطاس من شم رائحة الكندس، ولذلك لا يختص تأثيره بدماغ دون دماغ لأن لذعه لا يفارقه، وقد يكون سبب هذه السخونة مسخنا بالعرض كالهواء البارد، فإنه يبرد ظاهر الرأس ويسخن باطنه، والذي يكون من غير الرأس مثل أن يدخل في * أنفه (278) ريشة أو عود فإن من استعمل ذلك عطس عطاسا قويا، وذلك لما ينال الدماغ من الأذى فيتحرك لدفعه ولا ولا شك أن إيجاب هذا الداعي للعطاس ليس بتسخين الدماغ ثم سيلان رطوبته، بل إيجابه للعطاس بأمر آخر، فلذلك قال: العطاس يكون من الرأس، أي الذي يكون داعيه من الرأس، وإلا فكل واحد يعلم يعلم علما يقينا أن العطاس حركة خاصة بالرأس، وإذا كان كذلك فيكون تعريفه بأنه من الرأس خال من الفائدة للعلم به.

البحث الرابع:

قوله: «وترطب الموضع الخالي الذي في الرأس». المراد بهذه الرطوبة ا لحادثة من جسم رطب لا الرطوبة المزاجية. ولا يشترط في هذه الرطوبة أن يكون رطبة في تأثيرها بل في قوامها، بمعنى أن تكون مائعة، فإن ما كان من هذه الرطوبة أكثر حدة وأشد لذعا كان إيجابه للعطاس أكثر. وجالينوس شرط في إيجاب هذه الرطوبة للعطاس أن يستحيل ريحا، فإنه قال: «وإن كثرت الرطوبة في الرأس لم يحدث عطاسا دون أن ينحل فيصير ريحا، وهذا يظهر عيانا في كثير من الناس تخرج منهم رطوبة من المنخرين كثيرة جدا من غير أن يعطسوا، ومن الناس من لا يخرج بعطاسه رطوبة البتة». وهذا الشرط غير واجب، وذلك لأن للعطاس انقباض الدماغ، ثم دفعه للمؤذي، ثم هذا المؤذي تارة يكون رياحا وتارة غير رياح. وأما قوله: ومن الناس من يعطس ولا يخرج من منخرينه رطوبة البتة، فهو صحيح لكن هذا إنما يصح ان لو شرطنا أن الرطوبة لا يستحيل رياحا البتة. فإنا لو شرطنا هذا الشرط لورد ما قاله بل قلنا: إنها تارة PageVW5P344B تستحيل رياحا، فلا يدركها البصر، وتارة لا يستحيل فتخرج رطوبة. ثم لما ذكر في الرطوبة ما ذكره، قال: «وإذا كان كذلك فاشتراط أبقراط الرطوبة في حدوث العطاس فصل لا يحتاج إليه، وهذا الكلام منه فيه نظر، فإن الرطوبة المغروضة هي بالحقيقة المؤذية غير أن أذيتها تارة تكون بواسطة استحالتها رياحا وتارة يكون ذلك منها بذاتها لأنه لا معنى للعطاس على ما ذكرناه إلا حركة من الدماغ لدفع المؤذي والمحدث لهذه الرطوبة الحرارة المذكورة، فتسيل منه رطوبة أو لجذبها البتة. وأما المحيل لهذه الرطوبة هواء فهو الحرارة الغريزية، فإن تلك الفضول الرطبة اجتماعها كان لضعفها، ومراده بالموضع الخالي، أي الخالي من الأعضاء، وإلا فانحلاء محال. ومراده بذلك البطون والتجويف الحاوي للدماغ.

البحث الخامس:

Unknown page