453

قول: فانحدر الهواء الذي فيه، ليس المراد بالهواء المذكور الهواء PageVW1P178A الحادث عن الرطوبة فقط، بل وما يصل إليه بالاستنشاق. فإنا نرى عيانا هواء كثيرا يرتفع من الرئة دفعة بانقباض الصدر في حالة العطاس، والدليل على ذلك انا نرى العاطس يستنشق قبل عطاسه هواء متوفرا، والعلة في ذلك أن الهواء المؤذي قليل والعليل لا يتمكن الطبيعة من دفعه بالتمام دفعا قويا، فاحتاجت إلى معونة من هواء آخر في دفع تلك الفضلات وتنقيه مجاري الدماغ ومنافذه منها. وقال: «فانحدر، ولم يقل فخرج لأن المنفذ إلى الأنف من الدماغ متسفل عنه.

البحث السادس:

وقوله: «فيسمع له صوت قوي». أما الصوت فهو أمر يحدث من تموج الهواء، وليس المراد به حركته الانتقالية من هواء واحد بعينه بل حالة شبيهة بتموج الهواء، فإنه يحدث بالتداول لصدم بعد صدم مع سكون بعد سكون. وسبب التموج قرع أو قلع عنيفان، وشرطنا العنيفين لأن القرع لو لم يكن كذلك لم يحدث صوتا، وكل واحد منهما موجب للتموج. أما القرع فإنه يحرك الهواء إلى أن ينقلب من المسافة التي يسلكها القارع، وكذا القلع. ثم في الأمرين يلزم المتباعد من الهواء أن ينقاد للتشكل والتموج غير أن القرعي أشد PageVW5P345A انبساطا من القلعي. فالصوت حينئذ معلول التموج لأنا متى رأيناه حاصلا حصل الصوت، فإن طنين الطشت ينقطع عند تسكينه، ونرى الصوت مستمرا باستمرار تموج الهواء الخارج من الحلق. فالعلة القريبة للصوت التموج والقرع لا بد فيه من حركتين قبله وبعده. أما التي قبله، فهي تارة تكون من أحد الجسمين وتارة تكون منهما، لا بد مع ذلك من قيامها أو أحد هما في وجه الآخر لأنه متى لم يوجد المماسة لم يكن صوت، ثم إنه ليس من شرط القيام أن يكون القائم صلبا فإنه قد يكون في غاية اللين ويحصل الصوت إذا كان الخرق في زمان قصير فإنه متى فعل ذلك بالمقابل فإنه يقوم في وجه الخارق ويقاومه الا ترى أن الماء إذا أخرق برفق سهل الخرافة ولم يسمع له صوت وإذا أخرق بالعجلة فإن خرقة يصعب والهواء أيضا كذلك حتى قيل إنه يصير الهواء في هذه الصورة ثلاثة أجزاء قارع ومقاوم ومنضغط فالعلة الأولية هي المقاومة لا الصلابة. وأما الحركة التي بعد القرع فهي انقلاب الهواء من المسافة التي يسلكها الفارع، فإن قابل ذلك التموج وقابله جسم صلب مرتفع بحيث يرد ذلك المتوج إلى خلف، ويكون شكله شكل الأول وعلى هئية حصل الصدا فكل صوت له صدا لأنه إذا تموج الهواء بحركة القارع تموج الذي يليه ثم الذي يليه على قدر القرع والقلع لكن في بعض الصور لا يسمع إما لانتشاره كما في الصحراء أو لذلك لا يسمع للمغني صوت في الصحراء كما يسمع منه عند كونه تحت سقف. وإما لغاية قرب المسافة وإما لكثرة أصوات مرتفعه مختلقة تخفي صوت القارع والقالع، فإن كان منفذ هذا التموج صلبا أو أملس أو قصير المنفذ وضيقه أو شديد الالتواء كان ذلك الصوت حادا ومن مقابلاتها يكون ثقيلا ومن هذا يعلم سبب قوة الصوت الحاصل من العطاس، والله أعلم.

51

[aphorism]

قال أبقراط: من كان به وجع شديد في كبده فحدث به حمى حللت ذلك الوجع عنه.

[commentary]

الشرح: أما الصلة فهي أن حكمه كالمقابل لحكم الفصل الماضي، فإن الماضي يتضمن ذكر PageVW5P345B مرض عضو له حركة محسوسة من ذاته ومنافذ تندفع منها فضلاته كالدماغ، وهذا الفصل يتضمن * ذكر (279) مرض عضو ليس له حركة محسوسة ولا له منافذ محسوسة تندفع فضلاته منها كالكبد، فإنه متى حصل فيها رياح انحصرت تلك الرياح فيما بينها وبين غشائها والغشاء ليس فيه منافذ محسوسة يتحلل منها، فلذلك احتاجت إلى محلل يحللها، فكانت الحمى سببا لتحليل تلك * الرياح (280) . ثم نقول الوجع في الكبد يكون إما من ورم أو من ريح نافخة وإما من سدد في مجاريها ومنافذها. ومراده هنا بالوجع الريحي لا الورمي والسددي. أما الورمي فإن الورم لا ينحلوا إما أن يكون حارا أو إما أن يكون باردا فإن كان حارا كان معه حمى. وأبقراط قد قال: «فحدث به حمى»، والفاء للتعقيب، أي انها يفيد أن حصول الشيء بعد حصول شيء قبله، وإن كان باردا لم يكن معه وجع شديد بل ممدد لتمديد العلاقة. وأما السددي فلا يكون معه وجع شديد بل تمديد وثقل في الحاصرة في الجانب الأيمن، وإذا ثبت هذا القدر بقي أن يكون الوجع المذكور عن ريح غليظة. أما أنها ريح فالدليل عليه زوالها بالحمى وأما أنها غليظة فالدليل عليه قول «من كان به وجع شديد»، فإن قوله «من كان به وجع»، أي وجع متقادم، وتقادم الوجع الريحي لا يكون إلا عن ريح غليظة، وهذه تحتاج في تحللها إلى حرارة قوية، فلذلك كانت الحمى نافعة من ذلك، والله أعلم.

52

[aphorism]

Unknown page