Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الطبيعيات من كتاب الشفاء
وإنما يكثر المطر بأرض الحبشة مع حرارتها لاندفاع الأبخرة إليها وانضغاطها فى جبالها وهى (1) بين يدى رياحها. وأما فى أكثر الأمر فإن الأبخرة تتصعد وتعلو إلى الحيز البارد من الهواء فتبرد (2) ويعين ذلك انفصال ما ينفصل عنها من الدخان الحار اليابس الذي نذكره. وقد شاهدنا ذلك الانفصال على بعض قلل (3) الجبال. فإذا بردت بالسببين انعقدت هناك غماما ، ثم يستحيل ماء فيثقل فينزل. والديمة (4) والوابل (5) إنما تكون من أمثال هذه الغيوم. وأما ما كان من جنس الغيوم الأولى ، فإنها تصب شيئا وتنقشع ، وإنما مثلها مثل الطل ، فإن الطل ليس يتكون (6) من سحاب (7)، بل من البخار اليومى المتباطئ الصعود (8) القليل المادة إذا أصابه (9) برد الليل وكثفه وعقده ماء ينزل (10) نزولا ثقيلا فى أجراء صغار جدا لا نحس بنزولها إلا عند اجتماع شىء يعتد به ، فإن جمد كان صقيعا.
وهذا السحاب يعرض له كثيرا أنه كما (11) يأخذ فى التكاثف ، وفى أن (12) يجتمع فيه (13) حب القطر ، يجمد ولم تتخلق الحبات بحيث تحس (14) فينزل جامدا فيكون ذلك هو الثلج ، ونظيره من البخار الفاعل للطل هو الصقيع. وأما إذا جمد بعد ما صار ماء وصار حبا كبارا ، فهو البرد. وأكثر البرد إنما (15) يكون فى الربيع والخريف ، ولا يكون (16) فى الشتاء. وذلك (17) لأن البرد الشتوى إن كان شديدا ، (18) فعل الثلج ، وأجمد السحاب ، ولا يمهله (19) ريثما ينعقد حبا ؛ وإن كان ضعيفا ، لم يفعل شيئا.
وأما فى الربيع والخريف فإن السحاب ما دام لم يتكاثف بعد تكاثفا يعتد به يكون (20) الحر مكتنفا إياه فلا يجمد (21) ثلجا ؛ حتى إذا استحكم استحصافه وأحاط به الهواء الحار والرياح القوية الحارة ، هربت البرودة دفعة (22) إلى باطن السحاب ، واستحصف السحاب دفعة
Page 36