فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حَالِهِمْ هَذِهِ، هَالَتْهُمْ كَثْرَتُهُمْ، وَخَالَطَ قُلُوبَهُمْ شيءٌ مِنْ خَوْفِهِمْ.
عِنْدَ ذَلِكَ قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ(١) يَحُضُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ:
عِبَادَ اللَّهِ، انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ...
عِبَادَ اللَّهِ، اصْبِرُوا فَإِنَّ الصَّبْرَ مَنْجَاةٌ مِنَ الْكُفْرِ، وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَدْحَضَةٌ(٢) لِلْعَارِ، وَأَشْرِعُوا(٣) الرِّمَاحَ، وَاسْتَتِرُوا بِالتُّرُوسِ، وَالْزَمُوا الصَّمْتَ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَنْفُسِكُمْ، حَتَّى آمُرَكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ سَعِيدٌ:
عِنْدَ ذَلِكَ، خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ:
إِنِّي أَزْمَعْتُ(٤) عَلَى أَنْ أَقْضِيَ أَمْرِيَ السَّاعَةَ(٥)، فَهَلْ لَكَ مِنْ رِسَالَةٍ تَبْعَثُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟!
فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَعَمْ، تُقْرِئُهُ مِنِّي وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ لَهُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا.
قَالَ سَعِيدٌ: فَمَا إِنْ سَمِعْتُ كَلَامَهُ، وَرَأَيْتُهُ يَمْتَشِقُ حُسَامَهُ(٦)، وَيَمْضِي إِلَى لِقَاءِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، حَتَّى اقْتَحَمْتُ(٧) إِلَى الأَرْضِ، وَجَثَوْتُ عَلَى رُكْبَتَيَّ، وَأَشْرَعْتُ رُمْحِي وَطَعَنْتُ أَوَّلَ فَارِسٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، ثُمَّ وَثَبْتُ عَلَى الْعَدُوِّ وَقَدِ انْتَزَعَ
(١) أبو عبيدة بن الجراح: انظره ص ٩١.
(٢) مدحضة للعار: دافع للعار.
(٣) أشرعوا الرماح: سددوها وصوبوها.
(٤) أزمعت: عزمت.
(٥) أن أقضي أمري الساعة: أن أموت في هذه الساعة.
(٦) يمتشق حسامه: يستل سيفه.
(٧) اقتحمت إلى الأرض: رميت نفسي بشدة على الأرض.
237