لِذَا فَقَدْ كَانَ المَظْنُونُ بِأَبِي سُفْيَانَ أَنْ يَكُونَ أَسْبَقَ النَّاسِ إِلَى تَلْبِيَةِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَسْرَعَهُمْ مُبَادَرَةً إِلَى اتِّبَاعِهِ.
لَكِنَّ الأَمْرَ جَاءَ عَلَى خِلَافٍ كُلِّ مَا يَتَوَقَّعُهُ المُتَوَقِّعُونَ.
إِذْ مَا كَادَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُظْهِرُ دَعْوَتَهُ، وَيُنْذِرُ عَشِيرَتَهُ حَتَّى شَبَتْ نَارُ الضَّغِينَةِ(١) فِي نَفْسِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ...
فَاسْتَحَالَتِ الصَّدَاقَةُ إِلَى عَدَاوَةٍ ...
وَالرَّحِمُ إِلَى قَطِيعَةٍ، وَالأُخُوَّةُ إِلَى صَدٍّ وَإِعْرَاضٍ.
* * *
وَلَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الحَارِثِ يَوْمَ صَدَعَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ بِأَمْرِ رَبِّهِ فَارِساً مِنْ أَنْبَهِ(٢) فُرْسَانِ قُرَيْشٍ ذِكْراً، وَشَاعِراً مِنْ أَعْلَى شُعَرَائِهِمْ كَعْباً(٣) ...
فَوَضَعَ سِنَانَهُ وَلِسَانَهُ فِي مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه السلام وَمُعَادَاةِ دَعْوَتِهِ ...
وَجَنَّدَ طَاقَاتِهِ كُلَّهَا لِلنَّكَايَةِ(٤) بِالإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ.
فَمَا خَاضَتْ قُرَيْشٌ حَرْباً ضِدَّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ إِلَّا كَانَ مِشْعَرَهَا(٥) ...
وَلَا أَوْقَعَتْ بِالْمُسْلِمِينَ أَذًى إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِ نَصِيبٌ كَبِيرٌ.
* * *
وَلَقَدْ أَيْقَظَ أَبُو سُفْيَانَ شَيْطَانَ شِعْرِهِ، وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي هِجَاءِ الرَّسُولِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، فَقَالَ فِيهِ كَلَاماً مُقْذِعاً(٦) فَاحِشاً مُوجِعاً.
* * *
وَطَالَتْ عَدَاوَةُ أَبِي سُفْيَانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى قَارَبَتْ عِشْرِينَ
(١) شبَّت نار الضغينة: اشتعلت نار الحقد والكراهية.
(٢) من أنبه: من أشهر.
(٣) أعلى شعرائهم كعباً: أعلى شعرائهم شأناً ومقاماً.
(٤) النكاية: الإيذاء والبطش.
(٥) يشعرُها: موقدها.
(٦) مقذعاً: بذيئاً.
281