282

Yāqūtat al-ghiyāṣa al-jāmiʿa li-maʿānī al-khulāṣa

ياقوتة الغياصة الجامعة لمعاني الخلاصة

Genres
Zaidism

الدليل الثاني: أنه لا يجوز أن يكون محدثا فهو إنه لو كان محدثا لا احتاج إلى محدث، تم الكلام في محدثه كالكلام فيه بأن كان محدثا فلا يخلو إما أن ينتهي المحدوثون إلى محدث لا يحتاج إلى محدث، أو يتسلسل المحدوثون إلى ما لا نهاية له، فإن كان الأول لم يخل إما أن يكون قديما أو محدثا، محال أن يكون محدثا لما بينا من أن كل محدث لابد له من أمر لأجله حدث، وأن حدوث حادث لا لأمر محال، وإن كام قديما فقد صح غرضنا من أنه لابد من قديم تنتهي الحوادث جميعا إليه، وتقف عنده، وإن كان الثاني وهو أن يتسلسل المحدوثون ومحدوثوهم إلى ما لا نهاية له فذلك محال لما بينا في إبطال شبهة ابن الراوندي في إثبات حادث قبل حادث إلى ما لا أول له، ومن جملة الوجوه المبطلة بذلك ما ذكره الشيخ هاهنا، وهو أن إثبات محدثين لا نهاية لهم يؤدي إلى أن لا يوجد العالم؛ لأن وجوده وقف على وجوده ما لا نهاية له، وما وقف وجوده على وجود ما لا نهاية له لم يصح وجوده، ولهذا فإن القائل إذا قال: لا أدخل هذه الدار حتى أدخل قبلها من الدور ما لا نهاية له فإن متى صح في كلامه لم يصح منه دخول الدار لما علق دخولها على ما لا نهاية له، وكذلك كان يلزم أن يوجد العالم، وذلك محال إلا أن لقائل أن يقول: إنما لم يصح منه دخول الدار، والحال هذه؛ لأنه علق دخولها بأن يدخل قبلها دار، وقبل تلك الدار دارا، حتى يسبق دخول هذه الدار دخول ما لا نهاية له على هذا الترتيب في القبيلة، ومضى ما لا نهاية له، حتى توقف على آخره، وينتهي إليه مع أنه منتها من قبل أوله وله بداية، وهي عند تعليقه لأنه إذا وقف على آخره وانتهى إليه مع أن لأوله نهاية كان محصورا متناهيا من طرفي، وبطل قوله: إنه لا يدخلها حتى يسبق دخول ما لا نهاية له واحدة قبل واحدة، وتحقيقه أن دخول هذه الدار وقف على ما لا نهاية له من قبل آخره، وهو منتهى من أوله فاستحال وليس كذلك حدوث العالم، فإن وقف على ما لا نهاية له من قبل أوله وقد انتىه من قبل آخره فصح وجوده؛ لأنه وقف عليه من حيث انتهى، ودخول الدار وقف عليه من حيث لم ينته، فظهر الفرق بينهما وهاهنا وجوه تعتمد في الدلالة على أنه لابد من قديم واجب الوجود تنمتهي الموجودات إليه، وأن تتسلسل إلى ما لا نهاية له وهو أن نقول: إنا إذا فرضنا أن محدث العالم محدث، وله محدث، ثم كذلك إلى ما لا أول له فلا شك في دخول هؤلاء المحدثين في الوجود، وأنه قد حصرهم، وأن الفراغ عليهم فلا يخل بعد ذلك إما أن يكون فيهم واحد قديم واجب الوجود لذاته تنتهي إليه سلسلة المحدثين إليه وإن كانوا بلا نهاية، ويكون هو أصل لوجودهم أولى، بل كان واحدمنهم حاصلا عن غيره، وعلة المحدث متقدمة عليه، فإن كان الأول فقد صح غرضنا من إثبات قديم واجب الوجود وأن تتسلسل الحوادث إلى ما لا أول له، وإن كان الثاني وهو أن كل واحد منهم له محدث، وعلة سابقة عليه لأجلها حدث، فذلك محال؛ لأنا إذا فرضنا جملة هؤلاء المحدثين في الدهر بحيث لا نسند منهم شيء، وإن كانوا بلا نهاية، وإن كان كل واحد منهم معلول لغيره وجب أن تكون الجملة معناها معلولة لا محالة؛ لأنها هي الأحاد وعلتها لا تخلو إما أن تكون نفسها أو كل واحد منها، أو واجدا معنا من جملتها، أو شيئا خارجا منها، ولا يفعل سوى ذلك، محال أن تكون جملتها؛ لأن الجملة إذا كانت هي العلة في وجود نفسها كانت واجبة للوجود من ذاتها، وفي ذلك بطلان كونه واحد منها محدث محتاج إلى محدث، وكان يجب أيضا أن تكون الجملة التي هي مجموع الآحاد سابقة على الآحاد؛ لأن العلة متقدمة على معلولها، ولا يجوز أن تكون العلة كل واحد من الآحاد؛ لأنه إذا وجب وجود الجملة بواحد من آحادها استغنت عن غيره، ومحال أن يجب وجودها لواحد منها بعينه؛ لأن أي واحد كان فهو معلول لعلة سابقة عليه من آحاد الجملة، فكان يجب على هذا أن يكون علة لوجود نفسه؛ لأنه من الجملة وعلة لوجود علته؛ أنها من الجملة أيضا، وفي ذلك وجوب تقدمه على نفسه، وعلى علته التي يجب تقديمها عليه، وذلك محال، أو محال أن تكون العلة شيئا خارجا عن الجملة؛ لأنا قد فرضنا الكلام في جملة المحدثين الذين وجد بعضهم من بعض إلى ما لا أول له، بحيث لا نسند معهم محدث، فلو كان علة الجملة شيئا خارجا عنها لبطل الغرض، وكانت نقضا؛ لأنه قد نفى منها هذا لمحدث فلا نخلص من ذلك إلا القول من أنه لابد من إثبات واحد من جملة المحدثين واجب الوجود في الأزل لذاته، وهو المقصود، فإن قيل: هب أنه لابد من إثبات قديم واجب الوجود، ولكن ما أنكرتم أن محدث العالم بعض هؤلاء المحدثين المتوسطين، ومعنى تجويز ذلك لا تثبت إلهية واجب الوجود، ولا استحقاقه العبادة؛ لأن الخالق للعالم المنعم هو غيره.

قلنا: هذا لا يجوز؛ لأن هذا المتوسط إذا كان جسما أو عرضا فقد قلنا إنمها يقدران على اتخاذ الأجسام ونحوها، وإن كان جنسا آخر لم يكن إلا قادرا لذاته، وفي ذلك مماثلة القديم، وصحة ما نعنيه، وما دل على نفي الثاني يدل على نفيه، وفي هذا الجواب انتفاء إلى الدلالة الأولى، غير أن المعتمد هو الدليل الثاني، والأول يدخل في الواجب عن الاعتراض عليه.

وأما الموضع الثالث: وهو فيما يلزم المكلف معرفته في هذه المسألة، فاعلم أنه يلزم أن نعلم أن الله تعالى موجود فيما لم يزل، وفي ما لا يزال، ولا يجوز خروجه عن هذه الصفة في حال من الأحوال، وأنه دائم باق، قديم، وبتمامه تمت المسألة السادسة، وبتمامها تم الكلام في مسائل الإثبات، وتعينها.

فصل الكيفية

فصل في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات، والكلام منه يقع في ستة مواضع:

الأولى: في بيان وجه الحاجة إلى الكلام في هذا الفصل، ووجه اتصاله بما تقدم.

والثاني: في بيان الدلالة على أن هذه الصفات أمور زائدة على ذات الباري، وحكاية المذهب، وذكر الخلاف.

والثالث: في حكاية المذهب وذكر الخلاف في كيفية استحقاقه تعالى لهذه الصفات.

Page 288